منتدى سماء الروح
أهلا وسهلا بيك في منتدانا سماء الروح
سلام يسوع معك..نتمنى لك وقتًا مباركًا معنا ..ويسرنا أنضمامك
معنا قي أسرة يسوع المسيح ، ونكون يدًا واحدةً لمجد الله...بشفاعة العذراء
مريم وجميع مصاف القديسين....أمين

صلوا من أجلي......مايكل وليم


موقع مسيحي قبطي كاثوليكي متميز يحمل موضوعات هامة في مجالات متعددة...إدارة/ مايكل وليم
 
الرئيسيةاهم الموضوعاتمكتبة الصورالتسجيلدخول
أخي الزائر/ العضو....لا تنسى أن محبة الله لك أقوى من ضعف أو أي خطيئة ، لذلك فلا تنظر إلى خطاياك وضعفك بل أنظر دائما ليسوع ، لأن النظر ليسوع يرفع فوق الضعف والخطيئة ويمنح القوة والنعمة والبركة . لذلك فليكن النظر الدائم ليسوع هو شعار حياتنا ، لنتحد دائمًا به ونثبت فيه ونكون بالحقيقة تلاميذه لا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق والمحبة العملية والخدمة الصادقة المجانية والصلاة الملتهبة بأشواق محبة الله واللقاء المستمر مع يسوع في الإفخارستيا...
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» كيفية تجنب الأعتذارات والتعلل عن الخطية
السبت يونيو 09, 2012 7:41 am من طرف المدير العام

» الخطية والرجوع الى الله
السبت يونيو 09, 2012 7:39 am من طرف المدير العام

» العذراء فى القداس
الخميس أبريل 19, 2012 4:08 am من طرف Abanob Youseef

» سيرة المعلم بولس الرسول
الخميس أبريل 19, 2012 4:04 am من طرف Abanob Youseef

» لعبة السيارة المدمرة
الخميس أبريل 19, 2012 3:58 am من طرف Abanob Youseef

» حوار مع الله
الجمعة فبراير 10, 2012 7:38 pm من طرف Abanob Youseef

» اليوم الروحى الناجح للشباب
الجمعة فبراير 10, 2012 6:42 pm من طرف Abanob Youseef

» تعالوا نشوف ما كتب عن عظمة العذراء مريم
الجمعة فبراير 10, 2012 7:13 am من طرف المدير العام

» المسبحة الوردية
الثلاثاء يناير 24, 2012 8:06 am من طرف sausan


شاطر | 
 

 العناية الالهية 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
Admin
Admin


عدد الرسائل : 965
العمر : 30
المزاج : نشكر الله
نقاط : 1644
تاريخ التسجيل : 10/03/2009

مُساهمةموضوع: العناية الالهية 1   الأحد مارس 15, 2009 5:56 am

[b][size=24]العِنَايَة الإِلَهِيَّة
مقـدّمـة
العناية الإلهية عقيدة أساسية من العقائد المسيحيَّة. ولولاها لما بقي معني لسائر العقائد. ومع ذلك فالعامَّة والخاصَّة من الناس يتأثَّرون جدًا من الاعتراضات التي تثور عليها، وأهمّها واقع الألم والشرّ
إنطلقنا في إثبات هذه العقيدة من الكتاب المقدّس في عهديه القديم والجديد؟ وليس أفصح منه بهذا الخصوص. ثم انتقلنا إلى تأمّل نظام العالم البديع الذي يوحي ويؤكّد لكلِّ عاقل أنَّ الخالق رتَّب الأمور بحرصٍ شديدٍ واهتمامٍ دائب.
إثر ذلك تفرَّغنا لمعالجة مشكلة الشرّ وهو من أهمّ المعضلات في حياة الإنسان. وميَّزنا أنواع الشرّ المختلفة، أيّ الشرّ الكيانِيّ والشرّ الطبيعيّ والشرّ الأدبِيّ. ثمّ تبسّطنا في شرح خمسة مبادئ تفسِّر لنا وجود الشرّ وعدم تعارضه مع العناية الإلهيَّة. فرأينا أنَّ الشرور الطبيعيَّة ليست شرورًا إلاَّ لقصر النظر وليست شرورًا بحدّ ذاتها بل قوانين طبيعيَّة تنظّم الكون وفيها خَيْرَه.
ثم أظهرنا أنَّ الإنسان هو في أغلب الأحيان سبب شقائه حين يخالف القوانين الطبيعيَّة أو الأدبيَّة التي سنَّها الخالق لخير عباده.
وأصررنا خاصّة على مدى أذى الخطايا التى هي مخالفات للشريعة الأدبيَّة، وأوضحنا كيف أنَّ قانون التضامن يضاعف من هذا الأذى ويمدّ أثره على العائلة والمجتمع وعلى الإنسانيّة جمعاء.
ثم استعرضنا فوائد الألم الطبيعية ممَّا يجعل فيه كلّ النفع للإنسان والإنسانيّة. وانتهينا من هذا القسم بشرح دور الألم التكفيريّ والخلاصيّ وهو دور في غاية الأهمّية للمسيحيّ، ينتج عن عقيدتَي التجسّد والفداء، ويُظهر بُعْدَها في واقع الحياة المسيحيّة.
وهنا تعرضنا لاتهام ظالم تلصقه الماركسيّة بالدين المسيحيّ وهو أنَّ الدين عامَّة والمسيحيّ خاصّة يحمل الإنسان على القبول بالظلم والاستسلام له باعتبار أنَّ إرادة الله تفرضه عليه ويجب الخضوع لإرادة الله التي لا مردّ لها. فأظهر أنَّ الديانة المسيحيّة بالعكس، على لسان السيّد المسيح وأسوة بمثال حياته، تفرض علينا كأهمّ الواجبات مكافحة الآلام البشريّة والسعي إلى التخفيف منها تعبيرًا عن محبّتنا لله التي وَجْهُها لثانِي محبَّة القريب. ثم رأينا أنْ نبحث بالتفصيل في بعض الشرور مثل الموت والخطيئة والحروب وسعادة الأشرار وتعاسة الأبرار، لنطبّق عليها المبادئ التي قدّمناها حلاً لمعضلة الشرّ عامّة، ولنجد أخيرًا أنَّ لا شرّ إلاَّ من فعل الإنسان، وأنَّ الله مع ذلك يستخرج من كلِّ شرّ خيرًا أكبر. وهكذا نجلو حكمة الباري تعالي وجودته وعدله ومحبّته. وعدنا في النهاية إل تأمُّل جودة الله وصلاحه، وهو الأساس في موضوعنا، حتّي تسطع الصورة بأزهى ألوانها ولا تتغلّب عليها الظلال.
وتركنا أخيرا الصوت المرنِّم الملهم صاحب المزامير أنْ يكلّمنا شعرًا، بالروح القدس، عن الله وما الله. وهو تعالى ولى التوفيق.
العناية الإلهيّة
نعني بالعناية الإلهية اهتمام الله المتواصل بجميع محلوقاته ليحفظها ويُوَجّهَها إلى الغاية التي وُجِدَت من أجلها، توجيهًا يتّفق وطبيعتها؟ فيسيِّر المخلوقات غير العاقلة تسييرًا جبريًا، ويُوجّه المخلوق العاقل محترمًا حرّيّته وعارضًا عليه وصاياه.
نفى البعض وجود العناية الإلهيّة على أساس أنَّه لا يليق بالكائن الكامل أن يهتمّ بالكائنات غير الكاملة ،إذ إنَّ في مثل هذا الاهتمام حطًّا من كرامة الألوهة. هذا ما جاء مثلاً في تعليم أرسطو.
ونفى آخرون حرّيّة الإنسان وادّعوا أنَّ الأمور تسير في العالم وفقًا لقدر محتَّم. وذهب آخرون إلى أنَّ العالم يحافظ على وجوده بقوانينه، مستقلاً عن الله تعالى خالقه.
وعقيدة العناية الإلهيّة محوريّة في الدين المسيحيّ، إذْ إنَّنا نستنتجها من طبيعة الله - الحبّة. فإذا كان الله محبة فلا يمكن أن يتخلَّى عن خلائقه بعد أنْ أتى بهم إلى الوجود. ولا بدّ أنْ يمدّهم دائمًا بما يحقّق كمالهم وسعادتهم. وكون اللة محبَّة يشرح وجود الثالوث الأقدس، والخلق، والتجسّد، والفداء، وتأسيس الكنيسة والأسرار، والنعمة والحياة الأبديّة، وفاعلية الصلاة.
ومن الطبيعي أنْ نبدأ بسؤال الكتاب المقدّس عن هذا الموضوع. والواقع أنَّ العناية الإلهيَّة تبرز في كل صفحات الكتاب المقدّس الذي لما كان له من معنى لو كان الله لا يهتّم بنا ويرعانا. وإذا كانت كمالات الله غير متناهية فكذلك أيضًا عنايته بخلائقه.
في العهد القديم
يظهر لنا شخص الله بصفات الأب الذي يسهر على خلائقه ويوفّر لها حاجاتها: " ترزق الجميع طعامهم في حينه "(مز 144-15:145). ويرزق البهائم مثلما يرزق البشر (مزمور35- 7:36و146- 147 :9). ويؤكّد سفر أيوب (10: 12) رعاية الخالق اليقظة نحوخلائقه.
ويُظهر لنا العهد القديم عناية الله بالآباء (تكوين 10: 6 - 7)، ويشير خاصّة إلى عمله الخفي والفائق في قصّة يوسف الصدّيق، حيث يسخّر نفسه في خدمة قصده الخلاصيّ: " فالآن لم تُرسِلوني أَنتُم إِلى ههُنا، بَلِ اللهُ أَرسَلَني وهو قد صَيَّرَني كأَبٍ لِفِرعَون وكسَيِّدٍ على بَيتِه كُلِّه كمُتَسَلِّطٍ على كُلِّ أرضِ مِصْر.... أَنتُم نَوَيتُم عَلَيَّ شَرًا، واللهُ نَوى بِه خَيرًا، لِكَي يَصنَعَ ما ترَونَه اليَوم لِيَهَبَ الحَياةَ لِشَعبٍ كَثير(تك8:45،50/20)، يستطيع إذًا الشعب المختار أنْ يواجه الصحراء، فسوف يقوته الله يوميًا"عَلَى قَدْرِ أَكْلِه"(خ16/15-18).
ويعلن الأنبياء سلطان الله هذا، حيث يَعْلَم أزليًّا كلّ ما سيحدث (أشعيا 7:44)، وعليه تتوقَّف السعادة أو التعاسة (عاموس 6:3وأشعيا 45: 7 )، وهو يدبِّر كلَّ شيء ويولّي السلطة لمن يريد (إرميا 27 : 5- 6).
وجاء في كتب الحكمة: " الإنسان في التفكير والربّ في التدبير " (أمثال 16: 1 و33)؛ " كل شيء يأتِي من الله " (سيراخ 11 :14)؛ " الخير والشرّ، الحياة والموت، الفقر والغنى؛ يملك الله على العالم، وكل ما فيه ينفِّذ أوامره " (سيراخ 14: 4 و39: 31 ).
وفي المزامير: إنّ الله مسيطر على خلقه ويمنح له الخصب ( مزمور 64-65: 7-14)؛ ويحفظ شعبه فِي كلّ شيء وفِي كلّ حين (مزمور 120-121)؛ وبدونه باطل هو مجهود البشر وباطلة حراستهم (مزمور 126 :1)، وهو كراعٍ صالحٍ، يقود نعاجه مطمئنّة في قلب الظلمات نحو السعادة (مزمور 23). وباختصار " فوَّضْ إلى الربّ طريقك وتوكلّ عليه وهو يفعل " (مزمور 36- 37: 5 ).
وكلّ ما ورد في الكتاب المقدّس من حوادث تاريخيّة يدلّ على أنّ يد الله تقود الأمور لصالح مختاريه، وأنَّ اهتمامه بهم دائم، وعنايته بهم متّصلة، يؤدّبهم ويكافئهم، ولا ينفكّ يرعاهم؛ حتّى جاء في أشعيا قول الرب : " أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ ولكن ولو هؤلاء نسين لا أنساك أنا " ( 46: 5).
فى العهد الجدبد
يعلِّم السيِّد المسيح بنوعٍ عارض عناية الله بالكون، ولكِّنه يؤكِّد بنوعٍ خاصٍ عنايته بالإنسان فيقول: " أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ و لا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها. أَفَلَسْتُم أَنتُم أَثْمَنَ مِنها كثيراً؟ ومَنْ مِنكُم ، إِذا اهْتَمَّ، يَستَطيعُ أَن يُضيفَ إِلى حَياتِه مِقدارَ ذِراعٍ واحِدة؟ ولماذا يُهمُّكُمُ اللِّباس؟ إِعتَبِروا بِزَنابقِ الَحقْلِ كيفَ تَنمو، فلا تَجهَدُ ولا تَغزِل. أَقولُ لكُم إنَّ سُلَيمانَ نَفسَه في كُلِّ مَجدِه لم يَلبَسْ مِثلَ واحدةٍ مِنها. فإِذا كانَ عُشبُ الحَقْل، وهُوَ يُوجَدُ اليومَ ويُطرَحُ غداً في التَّنُّور، يُلبِسُه اللهُ هكذا، فما أَحراهُ بِأَن يُلبِسَكم، يا قَليلي الإيمان!" (متّى 26:6 -30).
وقال أيضا: " أَما يُباعُ خَمسَةُ عَصافيرَ بِفَلسَيْن، ومَعَ ذلكَ فما مِنها واحِدٌ يَنساهُ الله. بل شَعَرُ رؤوسِكم نَفسُهُ مَعدودٌ بِأَجمَعِه. فلا تخافوا " (لوقا12: 6-7). ويزيد فكره وضوحًا فيقول: " فلا تَهْتَمُّوا فَتقولوا: ماذا نَأكُل؟ أوماذا نَشرَب؟ أو ماذا نَلبَس؟. فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه الوَثَنِيُّون، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحْتاجونَ إِلى هذا كُلِّه. فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه." (متى 6: 31-33). كما علَّم يسوع الناس أن يتضرَّعوا إلى الله ببساطة قائلين: " يا أبانا: أُرْزُقْنا اليومَ خُبْزَ يَومِنا " (متّى 6: 11).
وخلاصة القول، إنَّ العهد الجديد يحافظ على تصوُّرات العهد القديم ، لكن يسوع المسيح يوجِّه أنظار سامعيه نحو عناية الله بالبشر جميعًا دون استثناء أو تمييز (متّى 5، 45؛ لو 6،35). ولقد حثَّ يسوع تلاميذه على أنْ تكون ثقتهم كاملة بالله (متّى 6،25- 35)، وأن يسلكوا الطريق الضيذق الذي سلكه هو بنفسه (متّي 10 ، 34؛ 16 ، 24). وبذلك أظهر لهم يسوع معني الألم والدور الذي يلعبه في تدابير العناية الإلهيَّة (متى 7،13 ؛ لو 13، 14). وبما أنَّ الخلاص الذي أتى به يسوع هو تحقيق للمخطَّط الخلاصيّ الإلهيّ، فإنَّ فكرة العناية الإلهيّّة تأخذ منحى جديدًا في العهد الجديد: إنَّها إعلان متواصل وفاعل لمحبّة الله وإرادته في خلاص البشر. بذلك تصبح العناية الإلهيَّة القاعدة الأولي التي تبنى عليها الثقة المسيحيَّة، التي تؤمن بأنَّ كلّ الأمور تهدف إلى خير الذين يؤمنون بالله (روم 8، 28).
فى واقع نظام العالم
وتتجلَّي العناية الإلهيَّة في واقع نظام العالم. إذْ إنَّ العلّة الفاعلة لا يمكنها أنْ ترسم غاية لفاعليّتها وأنْ توجِّه العمل شطر هذه الغاية إلاَّ إذا تمتّعت بالعقل والذكاء. فإذا نظرنا إلى أي جسم في الطبيعة، نباتًا كان أو حيوانًا، نجد فيه تنظيمًا، أي إنَّ له غاية معيَّنة وهو مجهَّز بالوسائل الكافية التي تمكِّنه مِنْ بلوغها. وكذلك الأرض ككلّ، إذ هي أحد عناصر النظام الشمي.
فالأجرام السماويَّة مثلاً تؤلِّف تصميم ساعة عطيمة توقِّت جميع ساعاتنا. ولها هذه الميزة بالنسبة إلى ساعاتنا بأنَّما لا تنعطب ولا تتوقَّف. فإذا كانت الساعة تفترض وجود ساعاتِي ماهر قام بعملها فكم بالحري يفترض الكون خالقًا أوجده بهذا النظام الدقيق. وهذا الخالق حتمًا عظيم الذكاء نظرًا لأعماله، فهل من المعقول أنْ يعمل عبثًا ويتخلَّي عن مخلوقاته فلا يهمّه مصيرهم؟.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://michael2011.one-forum.net
المدير العام
Admin
Admin


عدد الرسائل : 965
العمر : 30
المزاج : نشكر الله
نقاط : 1644
تاريخ التسجيل : 10/03/2009

مُساهمةموضوع: العناية الالهيه2   الأحد مارس 15, 2009 5:57 am

[b][size=18]في النظام الأدبي والاجتماعي
يظهر عمل العناية الإلهية في النظام الأدبيّ، أي في ما هو محفور في عقل الإنسان وضميره من شرائع طبيعيّة كمَّلتْها أوامر ونواه نقَلَها الأنبياء إلى البشر. وما زالت هذه الشرائع والنواميس تتوضَّح وتفرض نفسها على الناس رغم ثورتهم عليها. وما زالت مفاهيم الخير والشرّ تستكمل معالمها فتنظِّم الحياة الفرديَّة والعائليَّة والاجتماعيَّة والإنسانيّضة لمصلحة الجميع. وهذا النظام يفترض عقلاً منظَّمًا وتوجيهًا متواصلاً وعناية دائمة نظرًا لعلاقته بالإنسان الحرّ.
وكذلك النظام الاجتماعيّ يُظهر عمل العناية الإلهيَّة، إذ إنَّ المجتمعات البشريّضة لا تنفكّ تتقدَّم صعدًا في مختلف المجالات الاقتصاديَّة والعلميَّة والأدبيّضة رغم معاكسات الأنانيَّات والأهواء المنحرفة وعوامل الشرّ المختلفة. كما نرى البشريَّة تسير نحو التفاهم والتوحيد لتحقّق أسرة إنسانيَّة يشدّها تضامن وثيق، وتتغلّب عليها نوازع الرحمة والمحبَّة، منتصرة على عناصر الشرّ. وليس هذا من التفاؤل المتطرّف، بلّ واقع يثبته التاريخ، رغم أننا لم نبلغْ بعد الغاية القصوى، وأمامنا مشوار طويل.
العناية الإلهية ليست قضاء حتميَّا
إنها تعمل من خلال الطبيعة ونشاط الإنسان المسؤول.
عندما نتكلم عن العناية الإلهيَّة، هذا يعني أنَّ البشريَّة والكون بأسره هما تحت تدبير " الله وأبِي ربنا يسوع المسيح " (أف 1، 3). وهذا يعنى أيضًا أنَّنا لا نستطيع اكتشاف مستقبل الأشياء وكأنها أصبحت رهينة قوانين الفيزياء والاقتصاد والمادّة وحدها وتتحكَّم بها المصادفة. الواقع إنَّنا جزء من تاريخ يريد الله أن يعطيه معنيً محدّدًا لأنَّه حَسُنَ لدى الله، بجودته وحكمته، أن يكشف عن ذاته ويُعلن سرَّ إرادته (أف1/9)، الذي به يتوصَّل البشر إلى الآب في الروح القدس، بالمسيح الكلمة المتجسِّد ويصيرون شركاء فِي الطبيعة الإلهيَّة. (راجع "كلمة الله"، رقم 2، دستور عقائديّ فِي الوحي الإلهيّ ).
العناية وقوانين الطبيعة: هذا لا يشكِّل برهانًا على أنَّ لا مكان للموادّ العلميّة في سعيها إلى اكتشاف الكون وتنظيم خيراته. ففي الفصل الثالث من الدستور الراعويّ " فرح ورجاء "، يقول آباء المجمع الفاتيكانِي الثانِي في إشارة منهم إلى استقلال الشؤون الأرضيّة : " إنَّ للمخلوقات والجماعات نواميسها وقيمها الخاصة. فعلى الإنسان أن يتعرَّف إليها تدريجيًا ويستخدمها وينظمّها. فهذا النوع من الاستقلال المطلوب هو شرعي تمامًا. وإن طالب به المعاصرون، فهو أيضًا مطابق لإرادة الخالق. فكلّ شيء بوصفه مخلوقًا له كيانه وحقيقته وميزاته الخاصّة وترتيبه ونواميسه المميّزة. فعلى الإنسان أن يحترم كل ذلك ويعترف بالأساليب الخاصّمة لكلِّ من العلوم والتقنيات " (فرح ورجاء، رقم 36)
في هذا النظام، يكتشف المؤمن شكلاً من أشكال عمل العناية. فعلى قوانين الفيزياء النوويَّة، وكذلك على القوانين التي تدير حركة النجوم وحتميّات التفاعل الذريّ والكيميائي والتطوّر البيولوجيّ والفيزيولوجيّ، ينطبق قول الحكيم: " الحكمة تبلُغ من غاية إلى غاية بالقوّة وتدبِّر كلَّ شيء بالرفق " (حك 8،1). وإلى هذا الواقع، يمكن إضافة القوانين التي تدير تصرُّفات الحيوان الغريزيَّة وكذلك القوانين التي حدّدتها العلوم الإنسانيّة في مجالات الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والسياسة.
العناية والنشاط البشريّ: فعل هذه القوانين يستند العمل البشريّ وكلّ ما يسمّيه الدستور المجمعيّ عمل الإنسان في الكون: " إنَّ المؤمنين لواثقون من شئ وهو أنَّ النشاط الإنسانِيّ، إذا نظرنا إليه بحدِّ ذاته، فرديًّا أم جماعيًّا، يتجاوب وتصميم الله ". ويتكلم الدستور في هذا المجال عن عمل البشريّة الذي يُعدّ " خدمة لإخوانهم ومساهة شخصيّة فِي تحقيق تصميم العناية الإلهية في التاريخ " (رقم 34). وهذا العمل يرتكز، قبل أيّ شيء، على حرّيّة حقيقيّة ومسؤوليّة ناجزة، لأنَّ الله الذي يُعطي وهو الراعي والسيِّد والعريس، بحسب الكتاب المقدّس، يدعو الإنسان إلى أنْ يكون شريكًا له في عمله الخلاصيّ، فِي زراعة حقله وبناء داره (1كور 3،9). فهو يشدِّد على مسؤوليّة الإنسان، لأنَّه " إنْ بَنَى أَحَدُ على هذا الأساس بناء من ذَهَبٍ أَوْ فِضَّة أَوْ حِجَارَةٍ كَرِيمَةِ أَوْ خَشَبٍ أَوِ هشيم أَوْ تِبْنٍ، سيظهر عمل كلّ واحد، فيومُ الله سيُعْلِنه " (1 كور 3/12- 13). وهذا العمل ليحمل طابعًا " خلاصّيًا " وله أيضًا طابع " أخلاقيّ "، يدعو الرسول إلى أنْ نخلع الإنسان القديم ونلبس الإنسان الجديد (أف 4،22-24).
وهكذا لا نرى فِي العناية الإلهيَّة مُجرَّد " قضاء إلهي حتميّ " يُجرّد الإنسان من شخصيّته ومسؤوليّته، بلّ على العكس من هذا، إنها دعوة للإنسان والجماعة البشريّة لتشارك الله الحيّ والمدبِّر فِي عمله الخلاصيّ، بقوّة يسوع المسيح البنويّة، وبفضل قيامته وعطيّة الروح القدس. فمثلما يعمل الله من خلال قوانين الطبيعة وقواها ويُظهر عنايته من خلالها، فإنَّه يعمل على تحقيق مخطَّطه التدبّريّ وعنايته من خلال اعتماده على نشاط الإنسان الخلاَّق.
فى الإجماع البشريّ
ومن الأدلة على وجود العناية الإلهيّة الإجماع البشريّ على الاعتقاد بها. فالشعور الدينيّ من مكوّنات المجتمعات البشريّة الأساسيّة. ولم يُوجَد شعب ولا مجتمع بدون دين. والدين بشكلِ عامّ ينطلق من الإيمان بكائن أو كائنات سامية تسيّر أمور العالم، ولها بها اهتمام وعناية. وكلَّما سما الدين والشعور الدينيّ توضَّحت العلاقة بالكائن الأسمى مبدأ سائر الكاثنات ومرجعها.
والصلاة هي تعبير بديهيّ عن الشعور الدينيّ. ولا معنى للصلاة إنْ لم تكنْ عناية إلهيّة يهمّها أمرنا وتتدخّل لتوجيه مصائرنا. ولا يمكن أن نخطِّئ الطبيعة البشريّة في أشمل مظاهرها الإيجابيّة، وإلاَّ كان علينا أنء نفقد الثقة بعقلنا أيضًا ونصمت.
إعتراضان: أمَّا كيف نوفِّق بين أنَّ الله غير خاضع للتغيير والتبدّل والحركة بحسب المبدأ الفلسفيّ، وبين ما تفرضه العناية الإلهيّة من اتصال بخلائق متغيّرة متبدّلة متحرّكة، فهذا ما يشرحه مبدأ فلسفيّ آخر وهو أنَّ كلّ ما يصدر عن الله أزليّ يتحقّق تدريجيًا في الزمن. فعلم الله الشامل الكامل ترافقه إرادة كليّة القدرة تحقّق ما يقصده تعالى منذ الأزل، تدريجيًا وبدون تردّد، في الزمن.
بقيت مشكلة الألم والشرّ وما تشكّله من عقبة في سبيل الاعتقاد بوجود عناية إلهيّة. إذ كيف نوفِّق بين وجود الله ومحبّته ورحمته وعطفه وعنايته بخلائقه، وقدرته غير المتناهية، وبيم ما نجد من ألم وشرّ تتخبّط به تلك الحلائق، وقد تكون بريئة ومنكوبة، أو شرّيرة وموفّقة. لنر أوّلاً أنواع الشرّ، ثمّ نرى المبادئ التي تشرح وجودها.
أنواع الشرّ
إنَّ الشرّ على أنواع: هناك الشرّ الكيانيّ أو الماورائيّ، أعني النقص في الكيان. وهو نقص يلازم بالضرورة كل مخلوق بحكم كونه مخلوقًا أي محدودًا، إذ إنَّ الكمال لله وحده. وهذا ليس شرًّا بكلِّ معني الكلمة إذ لا يحقّ لأحد أنْ يتظلّم منه.
إذ إنَّ الوجود، ولو بحدود، أفضل من العدم، وهو نعمة من الله.
وهناك الشرّ الطبيعيّ وهو الحرمان من خير كان من المتوجِّب أنْ يكون في حوزة الطبيعة: مثلاً الحرمان من البصر فِي أعمى، وهو ما يبدو اضطرابًا في الكون مثل الزلازل والفيضانات والأوبئة وشتّي الكوارث التي تتسبّب بآلام للبشريَّة.
وهناك الشرّ الأدبِيّ، وهو ما له علاقة بالكائنات الحرة، مثل ما يرتكب الناس من مخالفات للشرائع، ونسمّيها خطايا: مثل السرقة والظلم والقتل والزنَي والخيانة والإذلال وشتّى أنواع الأذى التي يُلحقها الناس بنفسهم أو ببعضهم. ويلحق بذلك الأوضاع غير العادلة مثل الحروب العدوانيّة، والتفاوت الكبير بين مستويات الأفراد والشعوب، وانتفاء العدل، وأوضاع القهر والظلم.
كلّ هذه الأنواع من الشرّ، عدا الأوّل، يشكلّ اعتراضًا يُضْعف الإيمان بالعناية الإلهيَّة لدى المفكّرين السطحيّين. وتبديد هذه الشكوك يفيد للتعمُّق في مفهوم العناية الإلهيَّة وزيادة الإيمان الفعلىّ بها.
خمسة مبادئ يمكن أن توضّح لنا الأمور وتجعلنا نفهم أنَّ الشرور والآلام لا تتعارض مع محبَّة الله لنا وعنايته بنا سنتبسَّط في عرضها في الفصول التالية، وهي:
أوّلاً: إنَّ الشرور الطبيعية ليست بحدّ ذاتها شرورًا.
ثانيًا: إنَّ الإنسان كثيرًا ما يكون سبب شقائه.
ثالثًا: خطايا البشر أسباب لمزيد من الآلام.
رابعًا: فوائد الألم على المستوى الطبيعيّ.
خامسًا: دور الألم التكفيريّ والخلاصيّ.
الشرور الطبيعيّة
نقصد بالشرور الطبيعيّة مثلاً الزلازل والفيضانات والحرائق وحمم البراكين، والحيوانات المفترسة والضّارة والمكروبات والفيروسات، والأعشاب السامّة والمواد الكاويّة أو المتفجّرة، إلى آخره. إنَّ هذه الشرور ليست شرورًا إلأ في نظرنا المحدود الأفق. إنّض لها كلّها فوائد وضرورات يكتشف بعضها العلماء ويخفى الكثير منها عليهم.
قصر نظر: إنَّنا نشبه ذبابة تمشي على لوحة لرسّام نابغة، فلا ترى إلاَّ خطوطًا من مختلف الألوان فلا تتمتَّع بجمال الصورة، إذْ إنَّ هذه الصورة ليست على مقياسها. وكذلك نحن إنْ اكتفينا بالنظر إلى الصورة نفسها من خلال مكبّر، تظهر لنا التفاصيل ويفوتنا جمال الكلّ.
ونشبه مكروبًا في إحدى ثنايا جلد قدم فيل. فإذا حك الفيل جسده بقدمه هذا تولّدت حرارة بركانية بالنسبة للمكروب. وإذا نزل إلى الماء ليغتسل فيكون بالنسبة للمكروب آخر العالم، وفيضان يقضي على كلّ الكون. كذلك يجب أنْ لا نقيس أمور الطبيعة على مقياسنا، فنحن لا نشكّل سوى ذرة صغيرة بالنسبة إلى الأرض والأجرام السماويّة.
نواميس مفيدة: فلولا الزلازل التي طوت الغابات في بطن الأرض في أزمنة سحيقة لما وجدنا فيها الفحم ولا البترول. وحين ننعم بفلاحة أرض خصبة يجب أن نحمد الله على الفيضانات السابقة التي غمرتها بالطمي الثمين. ولولا جاذبية الأرض التي تتسبّب في سقوط طائرات وكوارث متنوِّعة لما ثبت شيء على وجه الأرض ولتطاير كل شيء في الجوّ. وكذلك الكهرباء التي تصعق الحيّ فتميته، لها فوائد جمَّة معروفة، والنار، أصل الحرائق، هي أيضًا في أصل الحضارة.[/size][/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://michael2011.one-forum.net
المدير العام
Admin
Admin


عدد الرسائل : 965
العمر : 30
المزاج : نشكر الله
نقاط : 1644
تاريخ التسجيل : 10/03/2009

مُساهمةموضوع: العناية الالهيه3   الأحد مارس 15, 2009 6:00 am

[size=24][size=18][size=18]منافع الألم: ثمّ إنّ الألم ضروريّ للإنسان. فهو مثل جرس إنذار يحذّره من المخاطر. فلولا ألم الحرق لاحترقنا دون أن نشعر لنتحاشى الحريق. ولولا ألم الجوع لما فكّرنا بتغذية جسدنا ولنسينا أنْ نأكل لنحيا. وكذلك ألم الأمراض ينبّهنا إلى ضرورة معالجة ذاتنا.
وإنّ الألم وصعوبات الحياة تقوّي الإنسان وتهيّئه لكفاح الحياة. ومن المعروف أنّ الأولاد المدلّلين الّذين ينعمون بحماية كاملة، يشبّون على ضعف وخوار، ولا نفع منهم لا لنفسهم ولا لغيرهم، بل يبقون عالة على المجتمع. ولننظر إلى الرياضيّين كم يُعانون من أتعاب التمارين حتّي يبلغوا الشأو الذي يطمحون إليه.
الإنسان سبب شقائه
الطبيعة تنظّمها قوانين تُظهر عناية الله بها. وهذه القوانين موضوعة لخير الكلّ. والإنسان الذي يتحدّى هذه القوانين لا بدّ من أنْ تسحقه آلتها أو تتسّبب فِي أذيّته. هكذا من يُخالف قانون السير يتعرّض لحوادث مفجعة. وكذلك الإنسان الذي لا يراعي القوانين الطبيعيّة.
فخطأ تقنيّ يرتكبه مهندس في بناء جسر أو صنع سيارة أو طيارة قد ينجم عنه كارثة كبيرة. أمَّا الطبيعة فلا تحيد عن القوانين التي وُضعت لها. وعلى الإنسان أنْ لا يتجاهل أو يغفل عن هذه القوانين. وقد تكفي لحظة طيش أو قلة انتباه لتذهب بحياة إنسان أو مجموعة من البشر.
لقد جعل الله الإنسان عاقلاً وحرًا ومسئولاً. ومن غير المعقول أنْ يتدخّل فِي كلّ حين ليمنعه من استعمال حرّيّته وتحمُّل مسئوليّتُه حتّى في سبيل تجنيبه الأذى، وإلاَّ فيكون قد ألحق به أكبر أذى إذْ حرمه من حرّيّته ومسئوليّته التي هي كلّ كرامته. ومهما يكن الأذى فسيعلم الإنسان، الذي تعرّض له بخطئه، أن يكون أكثر حرصًا وأكثر تحملاً للمسئوليّة وأكثر دقّة فِى كلّ تصرّفاته.

خطايا الناس تزيد من شقاء البشريّة
الخطية هي خيانة لحبّ الله ومخالفة للشريعة الإلهيّة الموضوعة لخير الإنسان وسعادته. وهي لا تؤذي فقط الذي يرتكبها، بل تؤذي الأسرة العائلية والأسرة البشريّة التي ينتمي إليها الشخص الخاطئ. هناك قانون التضامن الذي يسري على كلّ المجتمعات، من أصغرها كالعائلة حتّي أكبرها وهي الأسرة البشرية. فليس من عمل يقوم به أي شخص إلاَّ وله التأثير القريب والبعيد، مثل الموجات الأثيرية التي تلف العالم أجمع.
قانون التضامن: وقانون التضامن هذا له الأهمّتية الكبرى في حياتنا. فنحن مدينون له بحياتنا إذ كان والدونا السبب المباثر لولادتنا. ونحن مدينون له بأكلنا ولبسنا وسكننا واللغة التي نستعملها والعلوم التي نفيد منها وتربيتنا، وبكل شيء لنا. إنّنا ننال من المجتمع في يوم واحد ما لن يتيسّر لنا أن نعيد مثله إل المجتمع في عشرة قرون. وقانون التضامن يعمل للخير كما للشرّ. فعالِم يخترع أحد المضادات الحيوية ينقذ الأرواح بلا حدّ. وكذلك المسئول الذي يتسبّب بنشوب الحرب يرسل إلى الموت الآلاف والملايين ويخرِّب بلادًا بأكملها؟ لأنَّ الإنسان حرّ يمكنه أن يعمل الشرّ وأن يعمل الخير.
فِي العائلة: وقانون التضامن يفعل فعله في العائلة فيجد الأب والأم طباعهما في ولاهما. وكذلك صحة الأولاد البدنيّة نتيجة صحّة الآباء، يرثون منهم الأمراض وأسباب العافية.
ويمكن أن نلمح على وجه الولد آثار طهارة وشجاعة ومحبّة وتفانِي الوالدين. كما يمكن أنْ نلحظ على وجه الولد إرهاق الأب أو الأم، أكان في طلب اللذة المحرمة أم في العمل الشاق والحرمان الدائم.
فِي المجتمع: أمَّا في المجتمع فيتجلَّى قانون التضامن في ظاهرة العدوى، أكانت مرضيّة جسديّة أمّ نفسيّة. فتصرّف كلّ شخص يؤثّر على محيطه. ناهيك عن تأثير الوسائل الإعلاميّة من صحف وإذاعة وسينما في المجال الواسع. إلاَّ أنَّ خطايا البشر وأنانياتهم هي الأكثر أذى، فهي التي، بفرض نظام ظالم، تستدعي الثورات الدمويّة. وهي التي تخطّط لمذابح مريعة أو تهيّئ لموت جماعي بطيء عن طريق المجاعة والعوز. وهكذا فالاختراعات العظيمة التي يمكن أن تنشر السعادة بين الأمم وتوفّر البحبوحة لكلّ البشر وتنشر بينهم الحبّ والوئام والسلام، تنقلب إلى قوى تدميريّة هائلة تنشر الدمار وتزرع الأحقاد المميتة وتسبّب الحروب المبيدة.
الأبرياء المنكوبون: وهنا يتبادر إلى الذهن الاعتراض التالى: لماذا لا يحمي الله بتدخّله أقلّه الناس الأبرياء من شرّ الظالمين؟ يجب أنْ نلاحظ أوّلاً أنَّ الظلم كثيرّا ما ينقلب على فاعليه فيجرّ عليهم الوبال. لنذكر موت هتلر وموسوليي في الحرب العالميّة الأخيرة ومحاكمات نورمبرغ.
وكان هناك في الواقع أبرياء كثيرون ذهبوا ضحيّة الحروب لا سيّما الأطفال الذين قُتلوا أو تشرّدوا أو أصبحوا معاقين. ويجب أنْ نُضيف إلى لائحة ضحايا الحروب، الأولاد ضحايا سوء سلوك والديهم أو ضحايا ظروف مجتمعيّة ظالمة. نذكر أيضًا الأجناء الذين يقتلون وهم في بطون أمّهاتهم لهم حقّ فِي الحياة كغيرهم. وربَّما لو عاشوا لكان بعضهم قد أصبح من أكبر المحسنين إلى البشريّة. ويجب أنْ نعلم أنَّ عدد هؤلاء الأجنة الذين يموتون قبل أنْ يروا النور أكبر بكثير من الذين يموتون من جرّاء الحروب.
حماية الله: وقد يعترض البعض لماذا لا يعمل الله بقدرته غير المتناهية على حماية المظلومين الأبرياء أو أتقيائه. فنرى مثلاً بعض الأتقياء الماضين في حجّ وزيارة تقويّة يذهبون ضحايا حادثة سير. قلّنا إنَّ أثمن ما لدى الإنسان حرّيّته وبها كرامته، فلا يمكن أن يحرم الله أحدًا من حرّيّته، وإلاَّ لأصبح لزامًا عليه تعالى أنْ يتدخّل فِي كلّ حين، وهكذا لا يبقى للحرّيّة معنىً. أمَّا الحوادث المؤسفة التي قد يتعرض لها الأتقياء فعليهم أن يتّقوها بأخذ الاحتياطات اللازمة. ومن غير المعقول أنْ يُشكّل الله نظام تأمين ضد حوادث الطيش أو التقصير أو التهوّر. وهذا لا يمنع من حدوث المعجزات والخوارق ولكن بشكل جدّ استثنائي.
فوائد الألم الأدبيّة
إنَّ الله يستخرج دائمًا من الشرّ خيرًا. لذا لا تُشكّل الشرور والآلام اعتراضًا مفحمًا على عنايته الإلهيّة. ولكن علي الإنسان أنْ يُحْسن التصرّف إزاءها حتّى تأتى بالمنافع المرجوّة.
توجيه: أوَّلاً أنَّ الألم أعظم مربٍّ فِي الحياة. قال أحد الأدباء: " لا أحد يعرف حقًا نفسه إنْ لم يتألّم ". وفِي الواقع فالمرض وخيبة الأمل والإخفاق ومختلف الأحزان تجعل الإنسان يُعيد النظر في حياته ويوجّهَهَا توجيهًا أفضل. إنَّ الله يسمح بالألم لمصلحتنا. كثيرًا ما نشبه الطفل الذي يبكي ويحرد لأنَّ والديه يقودانه إلى عملية جراحيّة سوف تنقذ حياته. ولنْ يفهم حكمة والديه إلاَّ حين يكبر ويقدّر تصرّف والديه حقّ قدره. فعلى المؤمن أن يثق بالله الذي لا يريد له إلاَّ الخير ويوجّه كلّ الأمور لخيره مهما بدت تعيسة أو ظالمة.
محبّة: ثانيًا يعلّمنا الألم محبّة القريب، وهو أسمى علم لأنّ محبّة القريب من محبّة الله، ومحبّة الله سبب كمالنا وسعادتنا. فالذي تألّم يتفهّم آلام الآخرين ويعرف أيّ كلام يوجّه للذين شاركهم العذاب.
تواضع: ثالثًا يعلّمنا الألم التواضع، ويصوّب نظرتنا إلى الأمور. إنَّ كبرياء الإنسان لا يقف عند حدود طالما لم يخضع للألم. فيظنّ أنَّ بإمكانه أنْ يصنع كلّ شيء، وينسي أو يتجاهل الموت، ولا يعترف بأنّ كلّ ما في هذه الحياة زائل وله حدوده. أمَّا الألم فيفتح عينيه على حقيقة الأمور وجوهرها.
تجرُّد: رابعًا يعلّمنا الألم التجرّد وعدم التعلّق الزائد بالخيرات المادّية. وهذا التجرّد هو أكبر حكمة في الحياة. فألم المرض، يُجرّدنا من الصحة فنعلم ضعفنا ولا نغترّ بقوانا، وخسارة الأموال تحْملنا على أنْ لا نجعل كلّ اتّكالنا عليها، والفراق يحْملنا على عدم وضع كل آمالنا في أحد؟ وضعف الشيخوخة يدفعنا إلى التفكير بآخرتنا. وكل أنواع الآلام تجعل رجاءنا في الله وحده، وهو الرجاء الذي لا يخيب. وقد قيل الإنسان عامل متمرِّن والألم معلّمه. وبالاختصار، مَنْ لم يتألّم لم ينضج ولم تكتمل شخصّيته.
وعلى قدر الألام والصعوبات التي يلاقيها الإنسان في حياته يكتسب خبرة ويصلب عوده وتقوى إرادته ويتعمق فهمه للحياة.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://michael2011.one-forum.net
المدير العام
Admin
Admin


عدد الرسائل : 965
العمر : 30
المزاج : نشكر الله
نقاط : 1644
تاريخ التسجيل : 10/03/2009

مُساهمةموضوع: العناية الالهية4   الأحد مارس 15, 2009 6:03 am

[size=24][b][size=24] دور الألم التكفيري والخلاصي
لم يأتِ المخلّص إلى الأرض ليُلغي الألم. فقد خضع هو نفسه له فتكبّد الجوع والعطش والتعب والبرد. وكان عمله كنجار في الناصرة منهكًا. وقدّ تألّم لموت أقربائه وأصاقائه. ثمّ قاسى هو نفسه النزاع ومرارة الموت. إنّما أراد المسيح أن يُكفِّر عن خطايا البشر التي زادت كثيرًا من آلام البشريّةء فتضامن مع البشريّة فِي تحمّل مسئولية خطاياها، وتقبّل الآلام حتّى الموت على الصليب أشنع ميتة حتّى يعوِّض عن سوء استعمال الناس لحرّيّتهم. وهكذا خلّصنا من ثقل آثامنا.
ومنذئذٍ أصبح للآلام قيمة تكفيريّة وخلاصيّة وتحريريّة من عبوديّة الخطيئة. وأصبحت الآلام مرتكزًا لكلّ تقدُّم بشريّ على صعيد المناقبيّة المسيحيّة، وإحلال السلام والمحبّة على الأرض.
لذا نرى بعض الأنفس النبيلة تختار حياة الحرمان والآلام، ليس رغبةً فِي الحرمان والآلام ولكن فِي سبيل خدمة أفضل، وفي سبيل التكفير عن خطايا البشر والجهاد التحريريّ والشهادة للقيم المسيحيّة.
الألم مع المسيح: فمن غير المعقول أن~ نترك للمسيح وحده مهمّة التكفير عن الخطايا. لا بدّ أنْ نساهم في ذلك ولو بجزء يسير على قدرنا: " إنِّي أتمّ في جسدي ما نقص من آلام المسيح "، كما قال مار بولس. فكما أنَّ الله أراد أن يشرك الإنسان في عمل الخلق بتسليمه خليقة ناقصة عليه أن يكملها بعمله وتعبه، كذلك أراد المسيح أن يشرك الإنسان في عمل الخلاص حتّى يكون أهلاً لحمل اسم المسيحيّ والانتماء إليه.
هذا التعليم المسيحي عن الألم هو وحده مرضٍ للوجدان الإنسانِي. كلّ سائر التعاليم تخفق في محاولة تقديمها شرحًا ومبررًا للآلام. فماذا يقول مثلاً مفكّر مادّي وملحد لأحد مجاهديه المسمّر على فراش المرض بدون أمل في الشفاء؟ ألم يبقَ هذا المجاهد في نظره ونظر زملائه عالة على البشرية في كفاحها في سبيل العدالة والتحرير؟ وأيَّة خدمة يمكن لهذا التعيس أنْ يقدّمها غير أن يخفّف عن أصحابه عبء معالجته بالانتحار؟.
آفاق الألم المسيحيّ: أمَّا التعاليم المسيحيّة فتفتح أمام مجاهديها، مهما تغلّبت عليهم العاهات والأمراض، آفاقًا تملؤهم حماسة؟ إذْ إنَّ آلامهم، بالإضافة إلى آلام المسيح التى تشركهم فيها، تخلّص البشريّه من ثقل خطاياها. وفي القدّاس، الذي هو تجديد سرّيّ لذبيحة الصليب، نقدّم آلامنا لتصبح آلام المسيح بالذات. فما أعظم هذه الآلام التى تُصحّح مسيرة البشريّة نحو الازدهار والسعادة الحقّة أكثر من أيّ عملٍ آخر.
لنذكر اللصّ اليمين الذي خلّصته آلامه على الصلب إلى جانب المسيح، إذ تحمَّلها، بنعمه الله، بروح مسيحيّة، تكفيرًا عن خطاياه، مشاركًا المسيح في آلامه، فقال له يسوع: " الحق أقول لك: ستكون اليوم معي في الفردوس " (لوقا 23: 43).
واجب مكافحة الألم
إن تعظيم الألم التكفيريّ والخلاصيّ لا يعني أننا نعتبر الألم خيرًا بحدّ ذاته. يجب أن نكافحه لا سيّما في غيرنا. فإلهنا إله المحبّة لا يلتذ بمشهد الألم بل يبغي سعادة الإنسان. وكذلك على المسيحي أن يعمل على تخفيف آلام البشريّة، حتّى يستحقّ أنْ يكون تلميذ يسوع الذي انكبّ في حياته على تخفيف آلام الناس وشفاء الأمراض الجسديّة والنفسيّة واقامة الأموات.
ولكن الألم عنصر من عناصر الطبيعة، لا مناص منه، يمكن أن نتحمَّله بمحبَّة أو بحقد. هذان موقفان من الألم متناقضان تمامًا، وهما موقفا المؤمن وغير المؤمن. وكلّ إنسان مدعوّ لاتّخاذ أحد هذين الموقفين. أمَّا السعادة التامّة على هذه الأرض، وانتفاء الألم من حياة الإنسان الأرضيّة، فحلم غير قابل التحقيق. مهما بلغ التقدّم الحضاريّ من شأوٍ، سيبقى الألم يمزّق قلب الإنسان وجسده. من المعروف أنَّ العلماء ما يكادون يقضون على سبب من أسباب المرض إلاَّ ويطلع لهم مرض جديد. والمكروبات تتطوّر فتستعصي عل المضادات الحيويّة، ويلهث العلم في استدراك طرق معالجتها. وسيبقى الموت دائمَا يُسبّب آلام جسدية ومعنوية للإنسان وأقربائه. عدا أنَّ الخطيئة سبب شرور كثيرة ومن العسير أن تُستأصل تمامًا من قلب الإنسان، ولا علاج لها سوى التوبة.
المسيح والألم: ولم يأت المسيح إلى الأرض ليُلغي الألم بل لمكافحة الآلام. وقد دعا تلاميذه إلى اقتفاء مثله في ذلك. وفي الإنجيل صفحة خالدة تصف الدينونة، فإذا موضوعها الجهاد ضدّ الألم. ويعتبر يسوع كلّ ما عملّناه من ذلك في سبيل الآخرين فكأننا عملّناه معه بالذات:
" وإِذا جاءَ ابنُ الإِنسانِ في مَجْدِه، تُواكِبُه جَميعُ الملائِكة، يَجلِسُ على عَرشِ مَجدِه، وتُحشَرُ لَدَيهِ جَميعُ الأُمَم، فيَفصِلُ بَعضَهم عن بَعْضٍ، كما يَفصِلُ الرَّاعي الخِرافَ عنِ الجِداء. فيُقيمُ الخِرافَ عن يَمينِه والجِداءَ عن شِمالِه. ثُمَّ يَقولُ الملِكُ لِلَّذينَ عن يَمينِه: تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبِي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم: لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُمونِي، وعَطِشتُ فسَقَيتُمونِي، وكُنتُ غَريباً فآويتُمونِي، وعُرياناً فَكسَوتُمونِي، ومَريضاً فعُدتُمونِي، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ " (متّى 25: 31- 36)
المسيحيّة ومكافحة الألم : والمناقبيّة المسيحيّة كلّها لا تهدف إلاَّ إلى التقليل من الآلام الإنسانيّة. خذ الوصايا العشر مثلاً وما يتفرّع عنها؛ أليس أنَّ الغاية منها منع كل أسباب الألم مثل الشقاق والحقد والحسد والانتقام والكبرياء التي تزيد من آلام البشرية؟ والمطلوب من المسيحيّ لا أن يتحاشى فقط التسبّب بالألم لغيره، بلّ أنْ يخفّف آلام الغير أيضًا. وبدون ذلك لا يستحقّ أن يدعى مسيحيًّا.
إذًا حين نتكلّم عن منافع الألم ودوره التكفيريّ والخلاصيّ، لا ندعو إلى الاستسلام والخنوع والقبول بالظلم والشرّ، إذْ ليس مثل المسيحي مكافحًا لآلام البشريّة حتّى أقصى حدود البَذْل. فقد أوصانا المسيح بمحبّة البشر، وجعلها كمحبّة الله واجبًا ملحًا، وأضاف : " مَا مِنْ حُبٍّ أَعْظَم مِنْ حُبِّ مَنْ يَبْذُلَ نَفْسَه فِى سَبِيل أَحِبّائِه " (يوحنا 15 : 13)
معضلة الموت
نأتِي الآن إلى الجواب على بعض الاعتراضات الخاصّة. ونبدأ بالموت الذي هو ألم الآلام. لماذا تسمح العناية الربانيّة بالموت؟ ألم يكن من الأفضل أنْ لا يكون موت؟.
محدوديّة الخليقة: يجب أوَّلاً أنْ لا نقبل اعتراض الذين يرون أنَّ الشرّ فِي الحياة أكثر من الخير. فبحسب منطق هؤلاء يكون الموت حدًا للأحزان والآلام وبالتالى خيرًا بحدّ ذاته. عدا ذلك فالموت هو النهاية الطبيعيّة لكلِّ حيٍّ مركبّ من نفسٍ وجسدٍ. ولا يُمكن أنْ تُوجَد النفس بدون الجسد فِي الإنسان. ولمَّا كان الجسد مركبًّا عضويًّا، فمن البديهيّ أنْ يهترئ وينتهي إلى التفكّك والموت. وإذا كانت الحياة خيرًا، فهي في الخلائق خيرٌ محدودٌ، ولا عجب أنْ يصيبها الزوال. وليس الموت سوى حقّ كما تقول العامّة. ولا تجعل محدوديّة الخير من الخير شرًا وإلاَّ لما أمكننا أنْ نعتبر شيئًا من المخلوقات خيرًا.
موت المؤمن: لا شكّ فِي أنَّ الموت تسبقه وترافقه آلام جسديّة ونفسيّة، منها الخوف من المجهول. ولكن الإنسان المؤمن يخفّ قلقه كثيرًا، بلّ يشتاق القدّيسون إلى الموت، لعلمهم بأنَّه سيُلحقهم بالله محبوبهم الأوَّل، وبكلّ أحبّائهم الذين سبقوهم إليه، دون أنْ يقطعهم عن الاتصال في الله بأحبّائهم الباقين على الأرض.
الموت قصاص الخطيئة: والموت في نظر اللاهوت، وإنْ كان من مستلزمات طبيعتنا البشريّة، إلاَّ أنَّ الله في بدء الخليقة، وبإنعام خاصّ فائق الطبيعة، كان قد أعفى منه أبوينا الأوَّلَين، إذ جاء في سفر التكوين أنّ الموت كان قصاصًا لخطيئتهما ثمّ انسحب على ذرّيّتهما بفعل قانون التضامن. فكانا لولا الخطيئة سينتقلان بالنفس والجسد إلى السماء كما العذراء مريم ويسوع السميح فلا يريا فساد القبر.
فالموت أوَّلاً تكفير أيضًا عن الخطيئة. ويجب أنْ نتقبّله هكذا فننتفع منه أقصي الانتفاع. وليس مثل مشهد الموت واعظًا لللإنسان وكابحًا لأهوائه المنحرفة وخاصّة كبريائه، إذ به يتساوى الجميع، ويستعيد الله نعمه وآلاءه، فيعرف الإنسان أن ليس له من نفسه شيئًا.
آلام الحيوان وموته: أمَّا الموت بالنسبة إلى الحيوان فيفرضه أيضًا ضرورة تجرُّد الكون. وإنّ آلامه أيضًا من نتائج الخطيئة التي تنسحب على كلّ الخليقة، إذ جاء في سفر التكوين (3: 17) على لسان الرب مخاطبًا آدم: " ملعونة الأرض بسببك ". ثمّ إنَّ آلام الحيوان أخفّ كثيرًا من آلام الإنسان لأنَّها آنيّة، ولا يرافقها قلق. وشعوره حتمًا أقلّ حساسيّة من الإنسان لأنَّه ينقص عنه كمالاً في علم الأحياء.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://michael2011.one-forum.net
المدير العام
Admin
Admin


عدد الرسائل : 965
العمر : 30
المزاج : نشكر الله
نقاط : 1644
تاريخ التسجيل : 10/03/2009

مُساهمةموضوع: العناية الالهية 5   الأحد مارس 15, 2009 6:04 am

[size=18] شرّ الخطيئة
إعتراض آخر: لماذا يسمح الله بالخطيئة، ولِمَ لا يتدخّل لترويج الصلاح؟ والجواب على ذلك: إن الله لا يريد الخطيئة ولا يأذن بها. بلّ هو تعالى يحرّمها بالشريعة الطبيعيّة المحفورة في عمق كيانا والتي يُعْلنها ضميرنا ثمّ يحرّمها بوصاياه الوضعيّة الواردة فِي الكتب المقدّسة حيث يحكم على مخالفتها بكلِّ صرامة.
ولكن نقول إنّ الله يسمح بالخطيئة، بمعني أنَّه لا يعترض سبيل فاعلها بمانع طبيعي يلجم حرّيّته. إنَّه مثلاً لا يشلّ يد القاتل أو السارق لمنعه من القتل أو السرقة.
صون الحرّيّة: والحرّيّة كمال سامٍ خاصّ بالإنسان، به تقوم كرامته. أعطاه الله هذا الخير العظم، نظّم علاقته بالإنسان على أساس احترام هذه الحرّيّة. فإذا أساء الإنسان استاعمال هذه الحرّيّة فهو وحده المسئول عن ذلك.
والحرية شيء ثمين جدًا. والدليل على ذلك عظم تقديرنا لها وتعلّقنا الشديد بها. فكم من الدماء سفكت عبر التاريخ لتأمين الحرّيّة أو الحرّيّات. ولا قيمة للمحبّة، محبّة الله أو محبّة القريب، إنْ لم تكن ناتجة عن الحرّيّة. إذًا الحرّيّة خيرٌ عظيمٌ، ولا يُعقل أنْ نستغني عنه خوفًا من سوء استعماله. وكلّ الخيرات الأرضيّة يمكن إساءة استعمالها ولا أحد يحبّذ الحرمان منها، بسبب خطر سوء استعمالها. لذا لا يتلف الله حرّيّة الإنسان حتّى يجنّبه ارتكاب الخطيئة.
والله يتدخّل لترويج الصلاح بالشريعة الطبيعيّة التى يفصح عنها ضميرنا، وبواسطة رسله وأنبيائه وأعظمهم السيد المسيح ابنه الوحيد، وبواسطة النعم الباطنيّة التي يمنحها إلى كلّ أحد. لقد جنح الكثير وبسخاء إلهي غير محدود، في هذا السبيل، ولكن ليس إلى حدّ إلغاء حرّيّة الإنسان
السرّ: إنمَّا يبقى في الأمر سرّ يفوق إدراك الإنسان. فقد عالج مار أوغسطينوس الموضوع بعبقريته المعروفة، وعرضه على شكل الحوار التال: " - ألم يكن بإمكان الله أنْ يحمل الإنسان على أنْ لا يخطأ؟ _ نعم كان ذلك بإمكانه. - فلماذا إذًا لم يفعل؟ - هذا شأنه ".
إنْ كانت الحرّيّة خيرًا عظيمًا فهي موجودة أيضّا فِي الله بصورة كاملة. أيّ إنَّ بإمكان الله أنْ يخلق من الكائنات على مختلف صورها وكمالاتها الممكنة، ما يريد أن يأتى به إلى الوجود. ولا يمكننا سبر غور حكمة الله غير المتناهية.
شرّ الحروب
الحروب من الشرور التي يسمح بها الرب، احترامًا لحرّيّة الإنسان حتّى حين يستعملها للشرّ. وإذا كان الإنسان يتدخَّل لمنع الشرّ بحجز حرّيّة أخيه الإنسان، فهو لا يؤثّر عليها سوى خارجيًا، ويبقى الإنسان حرًا داخليّا أي متمتّعًا بالحرّيّة الحقيقيّة التي لا يمكن لأحدٍ أن يسلبه إيَّاها. أمَّا الله، فبحكم قدرته وسيطرته غير المتناهية، لا يمكن أن يتدخَّل هكذا لمنع الشرّ إلاَّ بإلغاء الحرّيّة تمامًا. وهذا ما لَم يشأ أنْ يفعله واحترم حرّيّة الإنسان بعد أنْ وهبه إيَّاها.
الحرب العدائيّة والظالمة شرّ أدبِي يتحمَّل مسئوليّته الذين يشنّون مثل هذه الحروب على مختلف درجات فاعليتهم. أمَّا الحرب الدفاعيّة فهي حقّ الدفاع عن النفس، وهي عادلة حين تستنفد كلّ الوسائل السلميّة للحصول على الحقّ المطلوب ولم يبقَ غير الحرب وسيلة لاسترداد حقّ مغتصب، شريطة أنْ يكون هذا الحقّ على مستوى من الأهمّية بحيث لا يفوق شرّ الحرب شرّ خسارته، وعلى شرط أنْ تكون ضروريّة لوضع حدٍّ للتعدِّي وللتمادِي في التعدِّي.
سعادة الأشرار وتعاسة الأخيار
إعتراض آخر: لِمَ ينعمّ الأشرار بالسعادة في هذه الأرض، بينما يشقى الصالحون، إذا كانت هناك عناية إلهيّة عادلة ومحبّة؟
في الواقع الخير والشرّ يستهدفان الصالح والشرير بدون تمييز. وفي حياة كلّ إنسان يمتزج الخير والشرّ. فليست هناك حياة كلّها خير وحياة أخرى كلها شرّ وعذاب. ولكن غير صحيح أنَّ الشرّير حتمًا سعيد، والصالح حتمًا شقي في هذه الحياة.
النظام الطبيعي: أمَّا لماذا لا يسعد الصالح ولا يشقى الشرّير فِي هذه الحياة فهناك لهذا الواقع مبّررات جدّ مقنعة. أوَّلاً: لو وُزّع العدل فورًا لاختلّ النظام الطبيعيّ، إذ وجب مثلاً أنْ يسري الحريق إلى بيت الخاطئ ويمرّ دون أذى على بيت الصالح، أو أنْ ينزل البرد على حقل الخاطئ فيبيد ما فيه، ويبقى معلّقًا فوق حقل الصالح فلا يؤذيه!
وضمن الأسرة الواحدة قد يكون الوالد صالحًا والوالدة شرّيرة، فكيف يصيب الألم الواحد دون الآخر؟ وقد يكون الوالدان صالحين والأولاد أشرارًا، فكيف يصيب الشقاء البعض دون الآخر؟ وكذلك قد يكون بعض الأولاد صالحين وآخرون أشرارًا: هل يمكن أن يشقى البعض ضمن الأسرة الواحدة دون الآخرين؟.
النظام الأدبيّ: ثانيًا: لو وُزِّع العدل فورًا لاختلّ النظام الأدبِيّ أيضًا. فالمكافأة الفوريّة أو العقاب الفوريّ يجعل الإنسان يتصرّف ليس بوازع من ضمير بلّ انقيادًا لمصلحة مباشرة. ولأصبحت الفضيلة مصلحة وفقدت معناها ومقوّماتها. وكذلك الرذيلة يصبح اجتنابها عن خوف، وانتفت حرّيّة الإنسان.
ثالثًا: إنّ مشهد سعادة الشرّير وتعاسة الصالح لمؤذٍ بلا شكّ، ولكنّه أيضًا البيّنة على وجود حياة أخرى تتمّ فيها العدالة. وإلاَّ لماذا غرس الله فينا حبّ العدالة؟. وإنْ لَمّ يجر العدل فِي هذه الحياة فلا بدّ من أنْ يتمّ فِي حياة أخرى. وإلاَّ لما كان الله عادلاً، وهذا ما لا يمكن أنْ يقبل به من يؤمن بوجود الله.
السعادة الحقيقية: رابعًا: إنَّ الشرّير لا ينعم دائمًا بالتوفيق والسعادة في هذه الحياة بلّ كثيرًا ما يبدأ جزاء أعماله منذ هذه الحياة. وكثيرق من الخطايا تحمل عقوباتها بنفسها، أمراضًا ومصائب شتّى. ولكن حتّى إذا كان الشرّير موفّقًا في هذه الحياة فسعادته ليست إلاَّ ظاهريّة. إذْ إنَّ السعادة الحقيقية هي فِي راحة الضمير وفِي الشعور برضي الله والتنعّم بمحبّته. وسعادة السماء تبدأ بالنسبة للصالحين منذ هذه الحياة بما يتنعّمون به من محبّة لله.
أمَّا شقاء الصالحين فهو ليس إلاَّ ظاهريًا أيضًا. إذْ إنَّ الحرمان من بعض الخيرات المادّيّة لا يسبّب الشقاء الحقيقي. وكثيرًا ما تأتِي الأعمال الصالحة بثمراتها الخيّرة منذ هذه الحياة. وإذا أصاب الشقاء استثناءً بعض الصالحين فلا يكون ذلك إلاَّ دعوة لهم من الله إلى الازدياد من الحياة الروحيّة ومن القداسة. وفرحهم الداخليّ لا يمكن لشيء أو أحد أن ينزعه منهم. ثمّ إنّ حياة الإنسان الأرضيّة ليست بالنسبة إلى الأبديّة، حيث ستتمّ العدالة التامّة، سوى نقطة من بحر وأقلّ.
جودة الله وصلاحه
بعد أن تكلّمنا كثيرًا عن الاعتراضات على العناية الإلهيّة، يجدر بنا أن ننهي هذا الكتيّب بتأمّل جودة الله وصلاحه، أساس إيماننا بالعناية الإلهيّة وأسطع برهان عن حقيقتها.
إنَّ الله هو الكمال بالذات وإلاَّ ليس هو الله. في الله كلّ الكمالات بدون حدّ، وإلاَّ لما كان الله. هذا ما تقرّه الفلسفة بكلّ وضوح. إذًا فجودة الله وصلاحه غير متناهتين. وإذا نزلنا من المستوى الفلسفي إلى المستوى الواقعي ونظرنا إلى علاقات الله بالإنسان، لقلّنا مع أحد اللاهوتيّين: " لو لم يكن الله واجب الوجود بحد ذاته، لقلّنا إنَّه موجود لأجل الإنسان " (جون تيلوتسونِى، رئيس أساقفة كونتربري).
الخلق: لقد أوجد الله الخليقة بأسرها لخير الإنسان وخدمته. وعمل الخلق بذاته ليس إلاَّ تعبيرًا عن جودة الله وصلاحه، إذْ إنَّ الله ليس بحاجة إلى أحد أو إلى شيء، فهو الكمال بالذات، ومكتفٍ بذاته، وليس خارجًا عنه كمال إلاَّ صادرًا عنه. فإذا خلق فلأنَّه محبَّة، والمحبَّة تعني البذل والعطاء.
وإذا تكلّمنا شاعريًا واستعرضنا كلّ الخيرات التي أبدعها الله لأجل الإنسان، لأخذنا العجب. لقد خلق الله الثمس لتدفِئ وتنير الأرض من أجل الإنسان. وكذلك خلق الأزهار وسائر النباتات والحيوانات زينة وغذاء للانسان. وأعطى الإنسان مخيّلة يجتاز بها المسافات الشاسعة، وعقلاً يفهم به أسرار الطبيعة ويبلغ به إلى الله بالذات، وإرادة هي على صورة إرادة الله وقدرته غير المتناهية، وذاكرة تخزّن الأحداث السابقة، ونطقًا يعبِّر به عن خلجات عقله وقلبه. أليس إذًا أنَّ الإنسان طفل الله المدلّل؟ أننسى كلّ ذلك ونذكر فقط ما لم ننله ممَّا هو نافل ولا تستدعيه طبيعتنا المحدودة حتمًا، أو ما يحصل لنا عرضًا من شرّ، بحكمة منه تعالى، ولخيرنا أيضًا؟!
التبنّي: ثمَّ إنَّ الله لا يمكن أن يخلقنا إلاَّ ليحقّق سعادتنا. وما يُريده الله لنا يكون، إلاَّأ إذا عارضناه بإرادتنا الحرّة. ولم يكتفِ الله بأنْ يؤمِّن لنا سعادة طبيعيّة تلائم إنسانيّتنا، بلّ شاء بمحبّته غير المتناهية أنْ يتبنَّانا. ولم يتبنَّنا فقط اعتباريًا، بلّ أشركنا في حياته الإلهيّة بإعطائنا النعمة التي تجعلنا أبناء الله، كيانيًا. ولمَّا أخطأ الإنسان وخسر هذه الحياة الإلهيّة أرسل الله ابنه الوحيد ليشترك في طبيعتنا الإنسانيّة ويكفِّر عنَّا ويفتدينا ويُعيد إليْنا الحياة الإلهيّة التي فقدناها. فمات يسوع ابن الله لأجلنا ليعبّر عنْ عِظَم حبّ الله لنا، إذ " ليس أعظم من حبّ من يبذل نفسه عن أحبّائه " كما قال يسوع.
يبقى ما لا يمكن أن يعبِّر عنه كلام، وما يختبره القدّيسون والمتصوّفون الذين يتجاوبون كليًا مع النعمة الإلهيّة، فيشعرون حسيّا بمحبّة الله، وينسون الدنيا وما فيها، ويستبقون، للحظات، نعيم السماء. فإذا وصفوا بعدئذ ما ألّم بهم تأتأوا ولا عجب، وأتوا بصور وتعابير غير متناسقة، فما خبروه يفوق كلّ تصوّر وكلّ طاقة بشريّة محضة.
من شعر المزامير
ولا أرى أجمل من أنْ نتوِّج هذا الكتيِّب ببعض شعر المزامير الذى وصف العناية الإلهيّة بتعابير فى منتهى الرقّة والسموّ والفنّ التصويرىّ.
من مزمور ( 22/23)، مز( 120/121)، مز( 103/104).

الخور أسقف، ليُون عَبد الصّمَد، الطبعة الثانية، موسوعة المعـرفة المسيحيّة، العـقيدة (2)[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://michael2011.one-forum.net
 
العناية الالهية 1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى سماء الروح :: منتدى الطقس والعقيدة-
انتقل الى: