منتدى سماء الروح
أهلا وسهلا بيك في منتدانا سماء الروح
سلام يسوع معك..نتمنى لك وقتًا مباركًا معنا ..ويسرنا أنضمامك
معنا قي أسرة يسوع المسيح ، ونكون يدًا واحدةً لمجد الله...بشفاعة العذراء
مريم وجميع مصاف القديسين....أمين

صلوا من أجلي......مايكل وليم


موقع مسيحي قبطي كاثوليكي متميز يحمل موضوعات هامة في مجالات متعددة...إدارة/ مايكل وليم
 
الرئيسيةاهم الموضوعاتمكتبة الصورالتسجيلدخول
أخي الزائر/ العضو....لا تنسى أن محبة الله لك أقوى من ضعف أو أي خطيئة ، لذلك فلا تنظر إلى خطاياك وضعفك بل أنظر دائما ليسوع ، لأن النظر ليسوع يرفع فوق الضعف والخطيئة ويمنح القوة والنعمة والبركة . لذلك فليكن النظر الدائم ليسوع هو شعار حياتنا ، لنتحد دائمًا به ونثبت فيه ونكون بالحقيقة تلاميذه لا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق والمحبة العملية والخدمة الصادقة المجانية والصلاة الملتهبة بأشواق محبة الله واللقاء المستمر مع يسوع في الإفخارستيا...
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» كيفية تجنب الأعتذارات والتعلل عن الخطية
السبت يونيو 09, 2012 7:41 am من طرف المدير العام

» الخطية والرجوع الى الله
السبت يونيو 09, 2012 7:39 am من طرف المدير العام

» العذراء فى القداس
الخميس أبريل 19, 2012 4:08 am من طرف Abanob Youseef

» سيرة المعلم بولس الرسول
الخميس أبريل 19, 2012 4:04 am من طرف Abanob Youseef

» لعبة السيارة المدمرة
الخميس أبريل 19, 2012 3:58 am من طرف Abanob Youseef

» حوار مع الله
الجمعة فبراير 10, 2012 7:38 pm من طرف Abanob Youseef

» اليوم الروحى الناجح للشباب
الجمعة فبراير 10, 2012 6:42 pm من طرف Abanob Youseef

» تعالوا نشوف ما كتب عن عظمة العذراء مريم
الجمعة فبراير 10, 2012 7:13 am من طرف المدير العام

» المسبحة الوردية
الثلاثاء يناير 24, 2012 8:06 am من طرف sausan


شاطر | 
 

 حوار مع الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Abanob Youseef
عضو جديد طازة
عضو جديد طازة


عدد الرسائل : 9
العمر : 24
المزاج : ++نشكر الله++
نقاط : 23
تاريخ التسجيل : 10/08/2011

مُساهمةموضوع: حوار مع الله   الجمعة فبراير 10, 2012 7:38 pm



حوار مع الله




ربى يسوع:

أنت ريح هادئة إذا هبت على وادى قلبى حملت معها كل الأمراض! لؤلؤة فريدة ما أن تسطع بين سائر انفعالاتى المظلمة فسرعان ما تبددها! أما أنا فآفة بشرية، دودة آدمية، أليست أنفاسى تبث السموم فى الفضاء وكلامى ذبذبات تحمل معها المكر والخداع!
ولكنى أحببتك، ومن كل قلبى طلبتك، فدعنى أطير نحو عرشك، فقد كسرت بأجنحتى قضبان قفصى المميت، ها قد هدأت الريح وتبدد الظلام عن وجه البحر، فا سمح لى أن أرفع أشرعتى وأتاهب للمسير، لتصل سفينة حياتى إلى ميناء الحب بسلام .
لقد مللت حياة الوادى ، فالصخور البشرية أرهقتنى، وكم تمنيت ألا أموت فى ظلاله أو أدفن فى كهوفه، فأضئ بنجم حبك سماء حياتى حتى لا يتوه زورقى، إرفعنى على صليب المجد ، فأنا لا أريد أن أرى الجماجم المطروحة بين الصخور والوحوش المفترسة المختبئة بين الجحور! أما إذا أوقفنا الخوف فى منتصف الطريق، أو سمعنا أشباح الليل أو صراخ المستهزئين.. فلن أتوقف بل سأسير بقدم ثابتة، ناظراً بألف عين وعين نحو يسوعى، الذى سيضئ طريقى بشعاع حبه، ولن يجعلنى أسير وحدى فى وداى ظل الحياة المرصوف بالعظام، أو أقف هناك على ضفاف نهر الدماء والدموع..
فيا من صبرت على الحمقى وكان صبرك كالجبل أمام الريح، وأجبت على أسئلتهم البليدة، وجادلت أفكارهم العقيمة ، أُصبر على جهلى واحتمل ضعفى، واسمح للظلام أن يخاطب النور لكى يتبدد، وإن كان الأفضل لى أن أطلبك فى قلبى لكى يستضئ.
فبارك يا رب هذا الحوار الذى أردت به أن أحل بعض المشاكل التى تدور حول عظمتك، وإن كان القلم يرتعش بين أصابعى إلا أن حكمتك ستسند جهلى، وقوتك ستقوى ضعفى، فهل من جرأة لنناقش! أعتقد أن هذا أفضل من شيطان الصمت المخيف.


جاء عيد القيامة حيث تتلاقى الأشجار وتتعانق الأغصان، ودموع الندى تتحول إلى عطور فى كوؤس الورود.. فالتقينا تحت عيون القبة الزرقاء وتحرسنا ملائكة السماء، وقد دار بيننا حديث عن مجد الله، وفجأة تغير وجه بيشوى وبدا كوجه قمر شاحب فى ليلة مظلمة، وبصوت يضاهى نغمة الناى فى حزنه قال: أُنظروا الرياحين وهى تتمايل مرنمة أناشيد سليمان والعصافير مغردة مزامير داود.. فقطاعته قائلاً: إن عطر الربيع لا يدوم، فلابد أن يأتى الخريف ويُسقط بزعابيره أوراق الأشجار وينثرها بهواءه ليكفن بها الأزهار! فقال: إن عطر الهواء المفعم بأنفاس الحب يملأ بأريجه الفضاء فلماذا لا يتنسمه كل البشر؟! فلما شعرت بالأنين فى نبرات صوته صارحته قائلاً: ماذا تريد؟ فتنهد تنهد إنسان حائر يبحث عن حقيقة يجهلها ثم قال: ملايين من البشر يتألمون من كثرة مظالم لا تُحصى.. وثمة ألوف من البيوت المحطمة.. وما أكثر الذين يعيشون كأفعى الكهوف.. هؤلاء غير الّذين يرتدون ثياب الفقر المبطنة بأنفاس الموت.. وأكثرهم يتساءلون: لماذا خُلقنا؟!!
لقد أدركت معاناة بيشوى، ولأنى أعرف أفكاره صارحته بأن أسئلة كثيرة تدور حول خلقة الإنسان وسقوطه، وما أكثر علامات الاستفهام التى لم تجد لها حلاً مرضياً! لكننا نعترف بأن الله محبة وكل ما يخرج منه هو حب ويدعو للحب، إذن لم يخلق الله الإنسان ليذله، بل لأنه يُحبه على صورته قد خلقه !
لقد كان الله يحيا بمفرده ولكن ليس فى عزلة! فالثالوث الإلهى يحيا فى شركة يربطها أعظم رباط ألا وهو رباط المحبة، إذن فى وسط دائرة لا نهائية يملأها الحب كان ولا يزال الله يحيا، إلا أن هذه الدائرة لم تبقَ مغلقة، بل فتحها الله لتدخل كائنات أخرى تشاركه سعادته، فخلق الملائكة والبشر، وأصبح فى قلب الله، فى قلب محبته يوجد كل منا !
أما الإنسان فقد خُلق ليكون سيداً، ملكاً يتربع على عرش الخليقة كلها، إذن كان ولابد أن يكون هذا الملك حراً ، يستعمل إرادته الحرة فى كل شئ ، أعماله، قراراته ، أقواله .. وبكامل حريته يُحِب الله وبملء رغبته يحيا معه !
وفى جنة خُلقت لتكون مسكناً له سكن آدم ، وكل مكان فيها يشهد بحب الله وعنايته ورعايته ، وفى وسط الفردوس كانت شجرة وهى تعنى أمراً واحداً : اختبار حرية الإنسان وطاعته ومحبته ! لقد أمره الله ألا يأكل منها، لأن تذوق ثمرها يعنى مخالفة أو تمرداً أو عصياناً، وأيضاً موتاً أو هلاكاً أو فناءً !!
وعاش آدم وحواء ينعمان بحب الله مدة لا نعلم مداها، لم يكونا خلالها فى كمال مطلق وإلا صارا إلهين، بل كانا فى بداية طريق الكمال، وهل يتحقق الكمال إلا بالنمو فى الروحيات؟ أما الروحيات فلا تنمو إلا عندما يطبق الإنسان وصايا الله..
ولكن ملاكاً قد سقط من رتبته حسدهما، وصار يتدخل فى حياتهما، كما يتدخل فى حياتنا الآن، لقد أوحى لحواء بأن تأكل من الشجرة المحرمة ، التى نهاها الله أن تأكل منها ، ويزيد من شدة الإغراء عندما أوهمها بأن الأكل منها يجعلها ـ هى وآدم ـ عارفين الخير والشر! وتُخدع المرأة وتُصدق الكذاب ، لأن رغبة دفينة كانت فى أعماقها: أن تصير مثل الله! وبكامل حريتها تدخل دائرة الموت السحرية وتستجيب لإغراء الشيطان! وقد كان حدثت المأسأة !
لكن الحديث عن الحب الإلهى جعل روح بيشوى تتمرمر وقلبه يتحجر، لأنه يريد أن يأتى بالملامة على الله فى كل شئ، إنها صورة من صور الإلحاد المعاصر ، التى يلجأ إليها الشباب كمحاولة لإخفاء فشلهم! ولهذا شعر أننى أعزف على قيثارة مقطّعة الأوتار لكى أُسكّن حِدة أفكاره المضطربة! فتسارعت نبضات قلبه، وتمايلت يده كأنها أمواج بحر بين صعود وهبوط ، وبنظرة حادة وبصوت إنسان جريح قال : إنى أتألم ! فقلت له : إن الألم هو محطة التقاء الشعوب، كل الشعوب ألم يقل القديس أُغسطينوس " يولد الإنسان وعلى رأسه تاج الألم لأنه يولد من آدم الذى يستحق العقاب " ! فقاطعنى بنظرة يائسة قائلاً : إن كان الله أوجدنى بالمحبة فلماذا بكأس الموت يسقينى ؟! ألم يكن لله قدرة أن يمنع سقوط آدم حتى لا يطلى الحزن جدران بيتى ، ولا تنشد الطيور لحن الموت على قبرى ؟!
صمت لحظة كأنها دهر لأتامل دموع بيشوى وهى تتساقط كحبات لؤلؤ على وجنتيه ثم قلت : كان بوسع الله أن يوقف هذه المهزلة بصورة أو بأخرى ويمنع سقوط الإنسان، ولكن الله محبة والمحبة والحرية لا ينفصلان، فحيثما توجد المحبة توجد أيضاً الحرية، أما الإكراه فيلغى المحبة ، وهل ننكر أن السيد لا يعرف عبده وإخلاصه إلا إذا أعطاه حريته ! كما أن الإنسان بدون حرية لا يكون إنساناً ، كائن عاقل بدون حرية لم ولن يوجد بعد ، لأنه صاحب مصير وهو ينسج مصيره بنفسه ، وهذا لا يتم إلا فى وجود الحرية ، ولهذا خلق الله الإنسان من الألف ليصل هو بإرادته إلى الياء !
بدون حرية ما كانت خطية، نعم ، ولكن بدون حرية ما صار الإنسان على صورة الله، ولا استطاع أن يدخل فى شركة حبه، أو فى حوار معه ، ألم يطلب الله من آدم أن يُسمى الحيوانات ! وعندما أعطى لكل حيوان اسماً هل تدخل الله ؟ يقول الكتاب "وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها" (تك2: 19،20) إنها إحدى سمات الحرية ، ولهذا لم يتدخل الله ليمنع الإنسان من السقوط ، لأن المنع مناقض لمفهوم الحرية وطعن فى احترام الله له، وإلى الآن رغم معرفة الله الكاملة بخطايا البشر ، إلا أنه لم يمنعهم ، وإذا سمح بتجربة أعطى معها المنفذ وترك الأمر فى النهاية لحرية الإنسان !
قد تتعجب وتقول: أهذا حبك يا رب أن تعرف بسقوط ابنك ولا تمنعه! ولكن دعنا نتساءل: ألست أنت يا من تدين الله تفعل نفس الشئ! وإليك الدليل فى صورة أسئلة: هل تنكر أنك ولدت وفى أعماقك تحمل جرثومة الخطية، وسوف تتزوج إنسانة أخطأت ، وستنجب أولاداً يخطئون؟ والسؤال الحائر: إن كنت تعلم بسقوط أولادك قبل ولادتهم فلماذا أنجبتهم ؟!! ولو اعتنيت بهم روحياً وجسدياً وأدبتهم بالفضيلة ثم ضلوا وانحرفوا.. هل ستحاسب على خطاياهم ؟!
لقد كان الله يعلم بسقوط الإنسان وكان يعرف وسيلة خلاصه، فماذا فعل؟ أرسل ابنه الحبيب ليتجسد من عذراء .. ثم يموت على الصليب ، ليعلن كمال حب الله للبشر، ألم يقل الكتاب" هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ! أما حرية الإنسان فتبقى كما هى ، وإلى الآن لا يزال الله يسمح للإنسان لا بأن يرفضه، بل وينكر حقيقة وجوده ! فلماذا لم نطلب منه أن يمنعه ؟!
ما أن ذُكرت آلام ربى حتى إنساب الكلام من شفتى فام، مثلما تتساقط قطرات الندى على تيجان الزهور! وقد تحول صوته إلى سيمفونية معزية وهى أشبه بمقاطع ألحان سماوية! لقد أراد أن يذكّر الحاضرين بعالم روحى بعيد كل البعد عن عالمنا المادى، عالم جميل كحلم لا يُفسر ، أو كفكر لا يُعبر عنه، لا يُنسخ بقلم كاتب، أو يتجسد بريشة فنان، ولا يتجسم على رخام بأزميل النحات! وهكذا قال :
لينظر الّذين يئنون تحت وطأة الألم إلى رجل الآلام ومختبر الحزن! لقد ولد يسوع شجيرة صغيرة لم تقلم أغصانها بعد ، وفى يوم ميلاده حاك الإنسان من ظلمة الليل رداءً كثيفاً مبطناً بأنفاس الموت ليستر به أضلع سيده ! وها السموات يوم صلبه تنسج من أشعة القمر الكئيب والشمس الحزينة ثوباً وتُلقيه على جسد خالقها ! وبين بيت لحم والجلجثة ، بين الميلاد والكفن ، عاش المسيح غريباً فى أرض ليست له ، وزائراً يقرع أبوابنا الحديدية فلم يفتح له أحد ! فأين سطور الفرح فى كتاب حياته ؟ لقد أبادها الألم !
أما فى جثسيمانى فقد خرجت جميع الخطايا من شقوق الضمائر تجرجر فى خزى قبح معاصيها، تفح كالأفاعى لعلها تقضى على الحمل الوديع قبل أن ينقض عليها ويمحوها، وهكذا صار الألم كزلزال حبلت به الأرض فتمخضت متوجعة تريد أن تلد الخراب، ولكنها على غير عادتها لم تلد سوى الخلاص !وأخيراً مات البار لتنتهى رحلة آلامه ، ولينقض يوم الصلب العجوز، فتوارى النور، وغمرت الظلمة الأودية والكهوف، ونشر الموت أجنحته السوداء على الصليب، وانقطعت أصوات العصافير المغردة فى سماء الجلجثة.. الحزن طلى جدران الطبيعة كلها، فجفت دموع الفرح من سكانها، وتنهد النسيم بين الأغصان تنهد يتيم يائس، وذرفت الأزهار قطرات الندى دمعاً ساخناً ثم أغمضت عينيها، وناحت جداول المياه وتوقفت عن المسير، وأنشدت الطيور لحن الموت ثم نامت بين قضبان الأشجار الذابلة! الطبيعة كلها راودها الحزن والنعاس لموت خالقها‍‍!
اجتذب ديفيد أطراف الحديث وامتلك دفة الحوار ، فمدح فام عل عباراته الذهبية ذات الأحرف النورانية .. ثم قال وقد ارتخت أوتار قلبه : أؤمن أن الألم أوجده الإنسان وقد دفع الثمن الله ! ولكنى أمام توزيع الألم أشعر بأن هناك معضلة ! فإلى الآن لا أعرف لماذا تبعث بنا الأرض إلى الصحراء بلا سبب لتقذفنا الجبال بحجاراتها الصماء ؟! أو لماذا تبدأ حياة أطفال فى رحم الألم وشبابهم خريف دائم من الحزن والمرض .. ؟! أليس من العجب أن تعطى الأرض الأشرار الجذور الخصبة والأجنحة التى يطيرون بها ليشربوا من ندى الفضاء فى الوقت الذى تمنع ثمرها عن أولادها ، وتسد آبارها لكى لا يرتوا من ماءها العذب .. ؟!
ما أن تكلم ديفيد حتى شعرت بأنه من أصدقاء الألم المقربين! فبدأت حديثى معضداً إياه ، فأضفت إلى أسئلته أكثر من سؤال فقلت: وهل من تفسير لتسلط الأشرار على الأبرار ؟! لقد صاروا كالخنزير الوحشى يعبثون بأصابعهم الحادة فى أجسادنا ، وبسهامهم الصماء يمزقون أحلامنا ، وبجيوشهم البربرية يغزون قصور عواطفنا وحصون لذاتنا ..
أُنظروا لتاريخ البشر، وقلبوا صفحاته الذهبية، لتروا كيف بدأوا جماعة صغيرة ثم إزدادوا ، عاشوا على الأرض متفرقين، عزلتهم الطبيعة بجبالها وبحارها وصحاريها.. ولكن بقى عنصر الإنسانية يربط البشرية المتفرقة وأيضاً الألم، الذى صار محطة إلتقاء الشعوب، كل الشعوب ! ألا ترى الطفل عندما يولد يواجه الأرض الصلدة برأسه صارخاً ، ألا يدل هذا على أنه للآلام قد ولد! وهكذا يولد الإنسان بالدموع وعندما يموت تنهال على قبره الدموع ، أتذكرون قول معلمنا داود " عابرين فى وداى الدموع " !نعترف بأن الألم قد خيم بضبابه الكثيف على المسكونة كلها ، فصار بذوراً تنمو فى بستان الحياة ، ريحاً عاصفة تسرى مع أنفاس البشر، ولكن هل يمكن أن تسير حياة البشر بدون ألم ؟! لا تتعجبوا! فالجوع، العطش، التعب.. كلها آلام تشعركم بحاجتكم الطبيعية فتنشطوا لإشباعها سواء بالأكل أو الشرب أو الراحة.. وهكذا تستمر الحياة ونتجنب الموت نسبياً !
لولا الألم لوضع الطفل يده فى النار دون أن يشعر بالخطر! وهل يستطيع الإنسان أن يتعلم الصبر والتواضع بدون ألم ! قد نكون على صواب إن قلنا إن الألم " أداة تطهير " تسمو بالإنسان وتوجهه إلى القيم الروحية والمبادئ الأخلاقية السامية ، وهكذا يخرج المؤمن من أتون الألم أقوى صلابة وأشد عزيمة وأصلب عوداً .. ألم يقل الكتاب " لأنه فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين " إذن لابد أن يمسح بأصابعه دموعهم ، ويحول سفينة حياتهم المطلية بألوان صفراء كشمس المغيب ، إلى خضراء كقلب الربيع وزرقاء ككبد السماء، لأن فى قلب الله حباً عميقاً كالبحر، عالياً كالسماء، فكم من شجرة نابتة فى كهف تطهرت لتثمر! وكم من قيثارة طُرحت تحت الأقدام وضعت فى مهب الريح ليحرك بأمواجه ما بقى بها من أوتار !
إننا نخطئ كثيراً عندما نقول " أهذا عدلك يا رب أن يسعد الأشرار ويشقى الأبرار " فمن قال إن الأشرار لا يتألمون ! قارن بين عذابات الأشرار النفسية وتعزيات الأبرار الروحية لتعرف أن هناك عدالة أرضية وإن كنت لا تفهمها !أما إذا نظرت إلى ممالك الأرض الواسعة ، فأعلم أن العرش الذى ينتصب على عظام الموتى هو عرش فانٍ! وكل الّذين اشتهوا غير مملكة الروح انحدروا إلى مقابر موتاهم ، حيث يعقد ذوو الرؤوس المتوجة مجالسهم فى قبورهم بين الدود والحشرات .. !
نهضنا لنتحرك بين الأشجار، وكانت الطبيعة قد كستها بحلل بيضاء ، فظهرت كأنها أطفال وشحتها السماء بملابس الطهارة، وفجأة تحدث أرسانى مع أنه قليل الكلام فقال: انظروا الطبيعة وهى ترتدى أبهى حللها لتعلن مجد الله، ألسنا نرى الأعشاب تتمايل، والزهور تفتح ثغرها مبتهجة: حمراء كالياقوت وزرقاء كالزمرد وصفراء كالذهب.. أعترف بأن قصة تكوين الجنس البشرى قد كُتبت بأعظم لغة ألا وهو لغة الحب، وقد جاءت آلام المسيح لتتوج هذا الحب، ولكن الفداء لم يعيد إلىّ طبيعتى، إلى الآن لازلت جهازاً مفككاً قد اختلت موجاته ، وأصبح الاضطراب يدب فيه لأتفه الأسباب !
هل أخطأ أرسانى أم أنه على صواب ؟ لقد طرحت عدة أسئلة حول تجديد الإنسان وعلاقته بالله، فاتسعت دائرة الحوار وقد أُعجبت برأى إبرام وإليك ما قال: لقد أصبح الإنسان بعد السقوط مرتبطاً بطبيعة مبتورة، تحركه الشهوات وتتقاذفه الأهواء، يتردد بين النور والظلمة، يسعى للخير ولكنه يتجه بقدميه نحو الشر دون أن يرغب ! ولعل أعظم دليل على هذا التناقض الذى أصاب الكائن البشرى ، هو الصراع القائم بين الروح والجسد ، فعلى الرغم من الارتباط الوثيق بينهما ، إلا أن الحياة قد أثبتت لنا أن بين هذين الصديقين علاقة مضطربة يسودها التناقض والتعارض ، فالروح يشتهى ضد الجسد والجسد يشتهى ضد الروح وكلاهما يقاوم الآخر (غل5 : 17) إنهما أشبه بزوجين كل منهما يريد أن يجعل الآخر يسير على هواه ، فهما لا يستطيعان أن يعيشا معاً فى إنسجام ومع هذا لا يملكان الانفصال .
لا أنكر أن الإنسان بعد السقوط قد صار يحمل الثنائية فى أعماقه : الخير والشر ، النور والظلمة ، النجاح والفشل ... ولكن ألم يعطنا الله وسائط روحية ، فالصلاة ، الصوم ، القراءة .. وسائط بها نتغذى وننمو فى الحياة مع الله ، ومن خلال التناول نثبت فى المسيح ويثبت هو فينا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ !
إن الإنسان يتألم هذه حقيقة، ولكن الألم ليس هو جوهر عذابه، فالأم تتألم فى حبلها وتربية أولادها ولكن فى آلامها هذه تكمن سعادتها ‍! المشكلة هى أن الإنسان يحيا بذاته ولذاته ، ولو أدخل الله فى قائمة حساباته ، وعاش كطفل يتغذى على حليب النعمة الإلهية لارتاح وأراح الجميع معه ، هل يكتفى الإنسان بمعانقة الخيال ؟‍! هذا مصير كل من يحيا خارج دائرة الله ‍!
فى هذه الأيام نسمع عن آراء تريد أن تقيم نظرية متكاملة عن السعادة خالية من النبض الإلهى! وقد تناسوا أن الإنسان خرج من الله ولن يجد راحته إلاّ فيه، ولو تعمقوا قليلاً لوجدوا أن الله داخل فى كل شئ، ولكن ماذا لو أنكر الأعمى وجود الشمس لأنه لا يرى! أليست حرارتها أعظم دليل على وجودها، فإن كان لايرى الضوء أفلا يشعر بالحرارة!لقد حاول كثيرون أن يلغوا فكرة وجود الله ، وبالتالى العبادة الدينية من حياتهم ، لكنهم فى النهاية وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاستعاضة عن الديانات القديمة بأُخرى جديدة من صنع البشر! فأعلنوا بهذا عن ضعفهم ونقصهم ، وأكدوا أنهم فى حاجة إلى قوة أخرى لتسد ما فى حياتهم من نقص وضعف وقصور.. ولعل هذا هو السبب فى أن الإنسان عندما يقترب من الله يبتعد تلقائياً عن ماديات العالم ، لأن الاقتراب من غير المحدود يجعل الإنسان لا يبالى بكل ما هو محدود ، أعتقد أن الحياة مع الخالق لا تجعل الإنسان يتعبد للمخلوق !
تصير الحياة ذات معنى لو عاش الإنسان من أجل هدف، وأعتقد أن الوصول إلى قلب الله هو أسمى هدف يجب أن نسعى إليه، أما إذا عاش الإنسان لشهواته لشابه الحيوان! وأعتقد أن الله فى اليوم الأخير سيسألك : لقد خلقتك إنساناً فلماذا لم تصبح إنساناً ؟!
كنا قد وصلنا بعد مسافة من السير إلى جدول ماء ، فتذكرنا رب المجد عندما كان يجلس على شاطئ بحر طبرية يتأمل فى ذاته ماء الحياة ، ودار بيننا حديث عذب عن لقاء المسيح مع السامرية عند بئر يعقوب.. فقال بيتر: لماذا التقى المسيح مع المرأة فى هذا المكان بالذات ؟ فقلت : لأن السامرية كانت كشجرة سقطت أوراقها وجفت أغصانها وهى فى حاجة إلى ماء الحياة.. وفجأة وقعت أوراق على الأرض ، لقد اعتاد مايكل وهو أصغر الموجودين أن يدّون أفكار وآراء.. فسألته إن كان يريد أن يشاركنا الحديث فقال: أعترف بأن الله هو الحياة وبدونه لا حياة ولا أمل فى حياة، وما من إنسان إلا وتمنى أن يكون زهرة عطرة فى بستانه السماوى، ولكن هناك قوة هائلة، اسمها الشيطان ، فمن أنا حتى أقاومه وأحيا حياة كاملة مع الله ؟!
ما أن أنهى مايكل حديثه حتى علت ابتسامة بريئة وجوه الجميع ، فمنذ شهور وهو لا يقرأ سوى القصص الخيالية، ولا يتكلم إلا عن القوات الخارقة والأساطير الوهمية ! إنه فتى غض فى مرحلة ثانوى، فكان ولابد أن أبدأ حوارى معه مشجعاً فقلت : إن الشيطان هو الضلال الأعظم والشر المحض ، وقد وصفه معلمنا بطرس الرسول كأسد زائر يجول متلمساً من يبتعله ، فالشيطان معروف بقوته لأنه كان أحد الملائكة المقتدرين قوة ، ولكن لكبريائه سقط وأسقط معه ملائكة ثم أنبياءً ورسلاً وقديسين .. وإلى الآن لا يزال يحارب الإنسان عسى أن يُلقى البشرية كلها تحت حكم الموت ! فهو لا يقف ساكتاً أمام إنسان يحيا مع الله ، بل يحاربه ويقاومه ويُسمى هذا " حسد الشيطان " !
ويعتبر الخداع هو المبدأ الرئيسى الذى تنطوى عليه كل حيل الشيطان، فهو محتال فى تزييف الحقائق ، ويستطيع أن يغير شكله إلى شبه " ملاك نور " ! ولكن هناك شواهد كثيرة تؤكد ضعف الشيطان ومحدوديته ، وإلا شابه الله فى قوته !
إن كل ما يفعله الشيطان هو أن يلاطفك ويستهويك لكى بحيله الماكرة يغريك! وهكذا يظل يقرع على باب قلبك إلى الأبد دون ملل عسى أن تفتح له ، ولكنه لضعفه لا يجرؤ أن يقتحم غرفة مسكنك ! إنه كالمتسول الذى يقرع بابك طالباً صدقة! فإن رفضت سيتركك ولكن إلى حين ! ولهذا لا تزل الفتاة لأنها وقعت ضحية لغاوٍ أثيم أو فكر شيطانى شرير! بل لأنها كانت تريد أن تتذوق طعم الثمرة المحرمة، هذه حقيقة يجب أن يعرفها البشر لكى لا يعلقوا ضعافتهم على شماعة الشيطان! هل استطاعت الشياطين أن تُسقط أنبا أنطونيوس؟ لقد ظلت تحاربه وتطارده هنا وهناك، ولكنها عجزت عن إسقاطه لأن قلبه كان ممتلئاً بحب الله، وهكذا استطاع البار أن يلهبهم باتضاعه وقد كانت صلاته أسواط من نور ونار تُحرق كبريائهم وتكشف فسادهم! إذن فالاستسلام للشيطان هو فى الحقيقة استسلام الإنسان لشهواته، لأنه بإيمانه وإرادته يستطيع أن يقاوم كل الإغراءات ، ومن ثم لا عذر له لكى يبرر سقوطه، إنها عبارة جميلة تلك التى قالها المسيح للشيطان عندما جاء ليجربه " إذهب يا شيطان " يقول الكتاب " فتركه إبليس وإذا ملائكة قد جاءت تخدمه " !
ولكن يبدو أن مايكل كان مصراً أن ينسب كل ما فى العالم من شرور إلى الشيطان ، فقاطعنى بحِدة قائلاً : إن كان الشيطان محدود.. فما عسى أن تقول ونحن نرى العالم يحترق من حولنا ! هل ننسب كل ما يحدث بين الناس إلى الشر، وما هو الشر؟ أليس الشيطان هو الشر المحض ؟!
والحق إننا إلى الآن لا ندرك جوهر مشاكلنا ! فهل لنا أن نقول إن العالم يحترق لأن الحب قد فنى ! ومتى يضيع الحب إلا إذا ابتعد الإنسان عن الله ولم يعمل بحسب وصاياه! بدون حب يتحول الإنسان إلى صخرة بشرية، حتى وإن سقطت عليها أنوار تحولت إلى عدم !نعترف بأن الإنسان قد خُلق ليُحِب ويُحَب، فإن لم يقدس الحب قلوب البشر فإن هوة عميقة من الدماء والدموع تفصل بينهم! أليس الحب هو لؤلؤة فريدة التى ما أن تسطع بين سائر الانفعالات البشرية المظلمة كالغيرة والحسد والكراهية.. فسرعان ما تبددها! وهكذا يظل الإنسان يزرع ويحصد بين الأحجار والأشواك إلى أن يتلذذ بالحب .
لكن الحب ليس مجرد عاطفة سلبية ، وهو يحتاج إلى جهاد لينمو ويستمر، إنه صليب ولهذا لا يأتى بثمر إلا من خلال الألم والتضحية ، ولكن حيث الحب فإن كان ثمة شقاء فهو مستحب ! إن الحب هو الذى يُسقط ذلك الحاجز السميك الذى يفصل فى العادة بين البشر، ويزيل من نفس الإنسان الأنانية الجامحة التى تعزله عن غيره ، فيشعر بأن الهوة العميقة التى كانت تفصل بينه وبين الآخرين قد زالت تماماً ! ومعنى هذا إن الحب هو الذى يُخرج الإنسان من قوقعته الذاتية ليندمج فى الآخرين ، بل يتحد مع الإنسانية بأسرها! والحق إن أُناساً كثيرين قد بقوا قساة، حسودين، غيورين، لأن قلوبهم لم تنبض بالحب، ولو سلطنا عليهم أشعة الحب الطاهرة والمطهرة، لاستطعنا أن ننزع من قلوبهم الكراهية السوداء، وأدركنا أن وراء أسوار قلوبهم الغليظة تكمن أنوار تستطيع أن تُرسل أضواء لا حصر لها!
بالحب وحده يستطيع الإنسان أن يعرف أن كل وجه بشرى هو عيد من الأنوار، فيتجه نحو الآخر لا لكى يدنسه بل ليخدمه ويرعاه ويسهم فى تحقيق سعادته ، ويشترك معه فى تثبيت دعائم ملكوت الله على الأرض، قد نكون على صواب إن قلنا إن الحب أعظم نار تطهر معادن النفوس، وتزيل الشوائب من داخل القلوب ، فالحب وحده هو الذى يجعلنا نُحِب لا الأقرباء فقط بل والأعداء أيضاً! إذن فالحب فى معناه السامى حل لا مشكلة، ولكن البشر هم الّذين جعلوه مشكلة عندما لوثوا وجهه الجميل بمفاهيمهم الخاطئة!
كان النهار قد قطع أنفاسه ، فتسللت خيوط الغروب الذهبية إلى الأشجار فبدت كأنها شمعدان من الفضة يشع نوراً من غير نار، فقال مارك : أُنظروا إنها الشهوة فى خداعها ! فلما رأى الحيرة ترتسم على وجوهنا قال : إن الشهوة ساحرة وماكرة كدليلة التى خدعت شمشون ، وهى تتلون كالحية الرقطاء فى أشعة الشمس لتجذب إليها البشر! وكل من ينسب الشر إلى الشيطان يكون على غير صواب ، لأن عدو الإنسان الأول هو الشهوة التى تجعله ينجذب لحيل إبليس ، ويصادق الأشرار ...
لقد تحدث مارك عن حجر الأساس فى مشكلة السقوط ، إنها الشهوة التى تجعل الأطفال يسقطون دون أن يعرفوا معنى الخطية ! ألسنا نرى الأطفال أشد غيرة وحسداً وكذباً .. من الكبار! ولكن الشهوة تحتاج إلى من يغذيها ، وهل ننكر أن شهوة بشهوة تبطل ، ألم يقل القديس بولس الرسول " أستطيع كل شى فى المسيح الذى يقوينى " ( فى 4: 13) !
سوف أحكى لك قصة إمرأة عاشت رحلة كئيبة فى عالم الكذب والرياء ، ترتشف كؤوس سعادة توهمتها ، فتحولت الحياة إلى كهف مظلم ضيق ، من سقفه تتدلى أفكار اليأس ، وفى زواياه تدب حشرات الذل ، وهكذا صارت تتنقل كالفراشة الحائرة من شهوة إلى شهوة حتى نخرت قلبها فى هيكل اللذات ! إنها المرأة الخاطئة ، خاطئة المدينة المشهورة ، التى احتضنت النار ظانة أنها النور! وقد استحمت بدموع عشاقها وتعطرت بدماء ضحاياها ، وقد قادت بدلالها ألوف من أرواح الرجال إلى هاوية العار والفجور!
لقد شغفت بحب مريض لا يمجد سوى جمال الجسد ، جعل دنياها بلا سماء ولا فى فضائها نجوم ! بل غيوم وغيوم ووساوس من المجهول ! لقد تربعت الشهوة على عرش قلبها ، وفى النهاية لم تقطف من ورود حبها سوى الأشواك ! وتمر الأيام وتتحول الفاتنة الجميلة إلى شبح إمرأة شوهتها الخطية ، والبطلة المشهورة هاهى الآن كمبارس فى مسرحية الشهوة الهزلية! ولكن ما أن ظهر حبيبها السماوى كالقمر فى ليل حياتها المظلم فسرعان ما رمم قيثارتها المحطمة وشد أوتارها الممزقة لتنشد أُنشودة ملؤها الحب والرجاء !
وهكذا أصبحت المرأة أمام يسوع كتاب مفتوح قد قرأ كل سطوره وفسر آياته وفهم معانيه ، وأخيراً وصل إلى نهايته فختمه بعبارة سماوية تمنينا أن نسمعها جميعاً ألا وهى : مغفورة لكِ خطاياك ، فأين الشهوة ؟ لم يعد لها سلطان لأن ابن الإنسان ذللها تحت قدميه ، وأعطى المرأة قوة أن تدوس الحيات والعقارب وكل قوات العدو!
كانت الشمس قد بدأت تغيب وها هى تذوب فى صدر الحياة ! فتسللت دمعة من عين جون وبدت كأنها حبة لؤلؤ على وجهه الممتلئ بحلاوة الحياة ، فقلت : ألا تعلم أن الدموع لسان يتكلم بكل اللغات ! فقال : إن المجهول يقلقنى، فهل لى أن أعرف أين تمضى الظلال البشرية التى تخبو تحت ظلال الموت ؟! إلى أى مكان تذهب الأرواح التى يطويها الزمان؟ إن قلت إلى الفردوس أو الجحيم فماذا تعمل هناك؟! كيف تقضى وقتها؟ بل ما هو مفهوم الزمن هناك؟ وإن صح أن الموت رقاد كرقاد النوم فما هى الأحلام التى تطوف بنا فى مثل هذا الرقاد؟
شعرت من كلام جون بأن للموت سلطان خاصة بعد أن ساد صمت مخيف ، كأن وحش قد فتح فاه ليلتهمنا ! لقد حاولت أن أتجاهل الموت كحديث خاصة بعد أن رأيت الجميع يغمضون أعينهم لكى لا يروا هذا الوحش القبيح ! ولكنى أتساءل : أليست أحداث الحياة تذكرنا بالموت على الدوام ، فالليل بظلامه الأسود ، وجفاف مياه الأنهار ، وسقوط أوراق الشجر ، كلها أحداث تعلن عن حقيقة الموت الذى غلف بجبروته الوجود ، كل الوجود !! لقد دخل الموت إلى العالم عقاباً على الخطية ، إلا أن الموت عطية إلهية لو لم يعطها لنا الله لطلبناها متوسلين ! لا تتعجبوا إن قلت لكم إن الموت دليل على حب الله ! فالموت ضرورى لاستمرار الحياة وتجديديها ، لأن الأرض محدودة ولو بقى فى الوجود كل البشر لعجزت الأرض عن إيوائهم وتغذيتهم.. إذن إنسحاب الحياة من البعض، يسمح لأعداد لا تُحصى من الكائنات الأخرى أن تتمتع بالحياة !
دعنا نتساءل: ماذا لو تُركت الفئران والنمل والوحوش.. تتكاثر بدون موت ؟! سوف تغطى الأرض وتقضى على كل البشر! سل مريضاً يتأوه ، أو فقيراً يتضور جوعاً، أو كفيفاً أو مشلولاً .. أتريد أن تحيا معذباً هكذا إلى الأبد ؟! إذن فالموت عطية صالحة لو استعد الإنسان لاستقباله ، فحب الله يرفض أن يظل الإنسان يعانى إلى الأبد ، إلا إذا أراد هو لنفسه الألم وألقى نفسه بأعماله الفاسدة فى الجحيم !
لا ننكر أن الموت طبع بصمته فى الوجود ، أعلن لنا أن حياتنا مصيرها الفناء ، إلا أن بصمته هذه ما هى إلا إعلان أننا قد بدأنا الحياة ، واسترحنا من عناء وحروب الشهوات ، فالإنسان بموته يُعلن أنه قد تم وقف إطلاق النار، وتم الانتصار على ما كان يحارب الإنسان من شهوات وما يستعبده من لذات ! قد تقولون : ولماذا لا يحيا الإنسان فرحاً إلى الأبد ؟! ولكنى أقول : إن كان الفرح آتٍ فما الضرر! المهم أن يكون لديكم اقتناع كامل بأن الله لا يريد سوى أفراحكم ، وأنتم الّذين تُدخلون الحزن إلى قلوبكم بأعمالهم !
يبدو أن الحديث عن الفرح أعاد الدم الذى تجمد لوجوه الحاضرين، هكذا الليل يأتى بظلامه لكى نرى من خلاله جمال النجوم، فانطلق لسان مينا بعد أن انعقد طوال الحوار، واتسعت عينيه واشرأب عنقه، كأنه ينظر إلى شئ يجهله، فقال بصوت يضاهى نغمة الناى فى رقته: أى فرح هذا الذى سوف نتمتع به فى السماء؟ وهل سنتساوى في الأفراح ؟ وماذا عن طعامنا وشرابنا ...فكان ولا بد أن أقطع حديث مينا، لأنى شعرت بأن سيمفونية الفرح قد سادت ألفاظه ، وهى تريد أن تتكرر مرة ، بل مرات ، فقلت: إن السماء تتلخص فى كلمة واحدة ألا وهى " الله " ومع هذا سوف أتحدث بما.. يتناسب مع سنك .
سقط الإنسان فأنزلته الخطية إلى مستوى الحيوان، حتى إنه صار يأكل عشب الأرض، أما فى السماء فسوق يأكل من المن المُخفى ومن شجرة الحياة التى فى وسط فردوس الله ! فإن كنت تسأل عن طعام الإنسان فى السماء فأعلم أن غذاءه روحانى ، لأنه سيلبس جسد نورانى !
فى السماء لن تكون خطية بعد وسوف نرتاح من عناء الشهوات ، وعندما قال القديس يوحنا فى رؤياه " والبحر لن يكون " كان يعنى أن الخوف والاضطراب والقلق.. لن يكون لها أثر فى السماء .
أما الشيطان الذى يجربنا ويريد أن يمتص دمائنا ويستنزف دموعنا لن يكون له مكان فى السماء ، والسبب إن السماء لن يدخلها شئ نجس .
إن قلنا إن السماء بيت فهى أجمل بيت فى الوجود، وإن قلنا مدينة فهى واسعة لتسع كل المؤمنين، أما شوارعها فمن الذهب وأساس سورها من الحجر الكريم وأبوابها من اللؤلؤ وفى وسط المدينة شجرة الحياة، التى تُعطى كل شهر ثمرها وورقها لشفاء الأمم.. وهكذا سيحيا الإنسان فى عيد دائم لاتنقطع أفراحه لأنه سينظر مجد الله، كما أن أعداءه سوف يتلاشون!


تأليف: الراهب كاراس المحرقى
اسم الكتاب: حـوار عـن الله
الكاتب: ابانوب يوسف
حوار مع الله
[img][/img]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حوار مع الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى سماء الروح :: خواطر وتأملات روحية-
انتقل الى: